رووداو- برلین
نادية مراد، الشابة الكوردية الإزيدية التي تحررت من قبضة مسلحي "الدولة الإسلامية" داعش، هي إحدى المرشحات لنيل جائزة نوبل للسلام، وتتمتع بدعم قوي للفوز بالجائزة، هذه الشابة تنتقل من بلد لآخر وتقول "أوقفوا داعش"، لأنها ترى أن هذا التنظيم المسلح يشكل خطراً على الإنسانية جمعاء، مراد اللاجئة الآن في ألمانيا، قالت في مقابلة مع شبكة رووداو الإعلامية، أن هناك فجوة كبيرة حدثت بينهم وبين حكومة إقليم كوردستان بسبب عدم محاسبة القادة الذين تركوا سنجار في آب 2014، وتؤكد أنها لن تعود إلى كوردستان ما لم يتم التحقيق مع هؤلاء القادة وتطهير مناطقهم من داعش بشكل كامل.
رووداو: أنتِ من أسرة كوردية إزيدية من قرية كوجون، في كلمة لك بمجلس الأمن الدولي في 17 كانون الثاني 2015، نقلتي القتل الجماعي الذي مورس ضد الكورد الإزيديين في القرية، إلى أكبر مركز سياسي في العالم، ماذا كان شعورك في ذلك اليوم؟
نادية مراد: ما أوصلته لمجلس الأمن والدول الأخرى، هو الكوارث التي قام بها داعش ضد الفتيات والنساء الإزيديات، وشاهدت ذلك بعيني، صرختي في تلك الأماكن لم تكن لشعبي فقط، بل كنت أريد أن أقول للعالم أن يعملوا شيئاً عن الذين وقعوا ضحايا لداعش، أشعر بأنني لم أحقق أهدافي بعد، لم أقم بشيء للعجائز والشباب الذين وقعوا بيد داعش، ما كنت أريد إيصاله هو أن داعش ضد الإنسانية، ضد النساء والأطفال، هو ضد كل الأديان.
ما قلته هناك هو أن داعش يشكل خطراً على الإنسانية جمعاء، وقد وقع قبلنا العديد من الأشخاص الآخرين ضحايا لداعش، قتلوا أناساً أبرياء في سوريا وفي فرنسا، أريد أن تقوم الإنسانية بإنقاذنا، لأن ما رأيناه نحن، لم يكن في المخيلة، حينما هاجمونا قتلوا الرجال وأخذوا النساء والأطفال، واعتدوا عليهم، فعلوا كل ذلك باسم الإسلام، كانوا يقولون إنهم يطبقون الشريعة، كانوا يجبروننا على نطق الشهادة، لقد قلت ذلك في الدول العربية، وهنا أتوجه للشباب الذين يعملون مع داعش أن ما يقوم به داعش لا صله له بأي دين، لقد تعرضنا لظلم كبير، لكن أحداً لم ينقذنا، داعش قام بتعرية الآلاف من فتياتنا، وقام بأفعال قذرة معنا، لقد باعنا، وأجرنا، وأطفالنا في معسكراتهم منذ عام ونصف، حينما أقول ذلك لك، إذا لم تستطع أن تفعل شيئاً فعليك أن تقول شيئاً، لكن للأسف لم يقوموا بأي شيء لنا إلى الآن.
رووداو: لكنك قمتي بأمر كبير، لقد نقلتي الظلم الذي شهدتيه بعينيكِ إلى العالم.
نادية مراد: صحيح، لم أرد أن أخفي شيئاً، لأن ما مررنا به لم يكن منصفاً، شعبنا لم يكن مقرباً لأي حزب، ولم يكن مقرباً لأية حكومة، لم تكن لنا علاقة بأي شيء، حينما جاء داعش لم يقولوا لنا شيئاً، سوى أننا أتينا لقتلكم لأنكم إزيديون، أتحدث عن كل ما شاهدته، ليس في قريتي كوجو فقط، بل في أي منزل فيه فتاة أو امرأة تم اختطافها، لكن حينما لا يتم القيام بشيء لنا، حقيقة هذا يؤلمني جداً، داعش قال لنا إنكم كفار، يجب أن نجعلكم سبايا، حينما يرتكب داعش هذا، وأنا أرويه للعالم ولا يتم القيام بشيء لنا، حينها أنا أموت لمرتين.
رووداو: عندما هربتِ من داعش في الموصل، ذهبتِ إلى منزل عائلة عربية، هل غيرت معاملة تلك العائلة بالنسبة لكِ أي شيء شعرتِ به أثناء الظلم والاعتداء الذي تعرضتِ له من قبل مسلحي داعش؟
نادية مراد: صحيح أن هذه العائلة العربية ساعدتني، لكن حينما هاجمنا داعش، التحقت الكثير من الأسر العربية المحيطة بنا، بل حتى من المسلمين الكورد في سنجار بداعش، بعض المسلمين الذين كانوا جيراننا أصبحوا مسلحين في داعش، لا أقول إن كل مسلم هو داعش، معظم الذين رأيناهم كانوا من أهالي الموصل، حينما اقتادونا إلى قرية برده صولاغ ومنها إلى الموصل، كان مسلحو داعش الموجودين في الحافلة من أهالي تلعفر وكانوا يتحدثون باللغة التركمانية، لقد فقدنا ثقتنا بهم، لم نعد نثق بالكثيرين، لم نعد نثق بالذين كنا مطمئنين بأنهم سيحموننا.
في الثالث من شهر آب كنت نائمة، قامت والدتي بإيقاظي وقالت لي إن داعش داخل سنجار الآن، ذهب رجال القرية إلى قوات البيشمركة، قالت لهم لا يوجد شيء، كان مسؤولو سنجار قد فروا ليلاً، لقد فقدنا ثقتنا بهم أيضا، حينما جاء داعش إلى قريتنا لم يساعدنا أحد، منذ يوم 3 آب إلى 15 آب كنا محاصرين في القرية، اتصل رجالنا هاتفياً بالحكومة العراقية وحكومة إقليم كوردستان، جمعونا في مدرسة القرية إلى يوم 15 آب، حينما فصلوا الرجال ليقتلوهم، كنا نسمع أصوات الرصاص المستخدم في قتلهم، لكننا كنا نعتقد أن قوات البيشمركة جاءت لإنقاذنا، لأننا كنا على اتصال دائم معها لتساعدنا، لكننا بقينا لوحدنا، لم نكن لنعتقد أبداً بأننا سنبقى لوحدنا، لقد رضينا بذلك، لكن منذ عام ونصف العام تأمل أمهات الشهداء، والأخوات اللواتي فقدن إخوتهن، والأطفال اليتامى، وفتيات يبلغن 15 و16 عاماً اعتدى داعش عليهن، أن تقوم حكومة إقليم كوردستان بمحاسبة المسؤولين الذين غادروا سنجار، بعد تحرري من قبضة داعش، تعرفت على الكثير من الأصدقاء الكورد الذين جاؤوا إلى المخيمات وقدموا لنا الملابس والمواد الغذائية، والكعك الذي كانوا يصنعونه بأيديهم، الشعب الكوردي في زاخو ودهوك والسليمانية فتحوا لنا قلوبهم، ومنازلهم.
رووداو: كيف تتذكرين الآن اليوم الذي تم فيه جمعكم بمدرسة القرية، ومقتل 6 من إخوتك وأهالي قريتك، كيف أثر ذلك على حياتك؟
نادية مراد: كان يوماً صعباً جداً، كل ساعة كانوا يعرضوننا لأمر مختلف، كان يوماً شديد الحرارة، وفي ذروة النهار، بعدما احتجزنا داعش لأيام، لم نكن قادرين حتى على شرب الماء، في ذلك اليوم الحار تم فصل الرجال الذين كانوا جوعى وعطشى عنا، حينما نقلونا إلى المدرسة كنت أمشي إلى جانب أخي الأكبر، قبل أن ندخل المدرسة، رأيت حفاراتهم وآلياتهم الموضوعة على أطراف القرية، بدأت أشعر بالخوف، قلت لأخي ماذا تفعل هذه الآليات والحفارات هنا؟، قال لي ربما هي هنا لفتح الطرق وإغلاقها، لكن تلك الآليات جلبت لدفن (لوضع التراب) على الرجال بعد قتلهم، حينما أدخلنا إلى المدرسة، لم أرى بعدها إخوتي، شاهدت الكثير من الأطفال الذين كانوا يمسكون بيد آبائهم، قام المسلحون بفصل الأطفال وأدخلوهم إلى المدرسة عنوة، وقتل إخوتي مثل بقية الرجال، قتل ستة من إخوتي، هناك عائلات قتل منها 9 أبناء، الأمر الذي كان صعباً جداً بالنسبة لي هو أنني كنت أصغر أخوتي وأخواتي، من الصعب جداً أن يقتل ستة من إخوتك فجأة، والآن حياتنا بدونهم صعبة جداً، الأحزن من كل ذلك هو أن قريتنا لا تزال تحت سيطرة داعش، لا نعلم ما إذا كانت رفات إخوتي لا تزال باقية في القرية أم لا، كان أحد إخوتي جندياً، كان يقضي 10 أيام في الشهر بالعمل، في الكثير من الليالي أفكر في أنه لا يجوز قتلهم بدون أن يقترفوا أي ذنب لمجرد أنهم إزيديون، في الكثير من الأحيان أفكر في أن أخي لا يزال حياً وأنه في العمل، ما تعرضنا له نحن كان بسبب أننا إزيديون فقط، كان الدواعش يقولون لنا إننا جئنا لنقضي على كل الرجال الإزيديين ولأخذ النساء والأطفال، قتل عدد كبير من الرجال الإزيديين، وعدد كبير من النساء والفتيات لا يزلن بقبضة داعش، وتعلمون ما يقوم به داعش ضدهن، آلاف الأطفال ينتظرون عودة أمهاتهم، وآلاف الأمهات ينتظرن رؤية أبنائهن، نأسف لأن من كنا نعتمد عليهم لم يفعلوا شيئاً لنا، منذ عام ونصف العام وإلى الآن لم يتم تحرير أي طفل عن طريق عملية عسكرية.
رووداو : قلتِ في كلمتكِ بمجلس الأمن الدولي، إن قريتكم كانت جميلة وأنكم كنتم تعيشون بسعادة، وإنكم كنتم عائلة سعيدة قبل مجيء داعش، هل تستطيعين الحديث لنا قليلاً عن تلك الفترة؟
نادية مراد: كنا نعيش حياة بسيطة جداً قبل مجيء داعش، حياة أغلب القرى الإزيدية كانت متشابهة، كنا نعمل في الزراعة وتربية الحيوانات، ومثل أي طفل في القرية كنت أذهب إلى المدرسة، كنا راضين عن الحياة التي نعيشها، نتمنى العودة إلى حياتنا السابقة.
رووداو: ما هو الأمر الذي فعله داعش ضدك ولا يمكن أن تنسيه أبداً؟
نادیة مراد: كل ما فعله داعش ضدنا كان سيئاً، لم نكن نستحق أن نقع ضحية لتلك الجرائم والاعتداءات، كل دقيقة قضيتها بيد داعش كانت سيئة وصعبة، لكل الأمر الصعب جداً، والذي أرعبني للغاية، هو اليوم الأول حينما أركبونا في الحافلة وبدأوا بلمسنا، قاموا بأشياء أقذر من ذلك بكثير، لكننا خفنا كثيراً في الساعات التي كنا فيها بالحافلة متوجهين إلى الموصل.
رووداو: تقولين دائماً، لم يتم القيام بما كنا ننتظره، حينما حزن وبكى ممثلو العديد من الدول في مجلس الأمن، إثر كلمتكِ، هل تشعرين أن العالم قام بواجباته أمام الكورد الإزيديين وضحايا داعش بشكل عام؟
نادیة مراد: حينما أدليت بشهادتي، لم أكن بحاجة إلى البكاء، أو أي شخص يقول لي أنتِ بطلة وصامدة، أنا أدعو لفعل شيء للمشكلة وإلى حلها، إلى إيقاف داعش، وتحرير النساء والأطفال من يد داعش.
رووداو: في هذه الفترة التقيتِ بالعديد من الرؤساء والمسؤولين الكبار في دول العالم، ما هي النقطة التي كنتِ تؤكدين عليها أكثر؟
نادیة مراد: طلبي من الدول العربية والأوروبية كان القضاء على داعش، لأنه يشكل خطراً على الجميع، وتحرير النساء اللواتي لا يزلن بيد داعش، وأن لا يسمح للشباب بالالتحاق بداعش، وأن يتم تصنيف ما تعرض له الإزيديون على أنه إبادة جماعية.
رووداو: كلام وتعهدات أي قائد أو مسؤول في العالم تحدث لكِ، أثر فيكم أكثر من الجميع؟
ًنادیة مراد: كلهم كانوا يقولون كلاماً جيداً، وكانوا يقولون إنهم ضد داعش، وإن داعش ارتكب الجرائم بحقكم، لكنهم لم يتحركوا فعلياً، لم ينفذوا شيئا مما كنت أطلبه منهم، لكنني لن أستسلم، وسأستمر في دعواتي.
رووداو: الإزيديون هم جزء من الكورد، لكنني عندما رأيت نص كلمتكِ لم أرى اسم الكورد، لماذا؟ هل أنت غاضبة من الكورد؟
نادیة مراد: أنا لا أرى نفسي بعيدة عن الشعب الكوردي، لكن كحكومة وكسياسية كوردية، فقدت ثقتي بها، لأنها لم تقم بشيء لنا إلى الآن، هناك المئات من بنات وأمهات الشهداء، إلى الآن لم تتحدث إلى أحد منهن، أعلنت رئاسة إقليم كوردستان بعد أسبوع من احتلال سنجار عن أنها ستحاسب الذين تركوا المدينة، لكنها لم تفعل شيئاً، وهذا أدى إلى حدوث فجوة بيننا وبينها.
رووداو: ما الشيء الذي تريدين من الكورد الإزيديين بشكل خاص القيام به؟
نادية مراد: الشعب الإزيدي يتم القضاء عليه يوماً بعد الآخر، بعضهم لا يزال في المقابر الجماعية، الآلاف ما زالوا بيد داعش، وبعضهم أجبر على التوجه إلى اوروبا، وآخرون ما زالوا باقين في المخيمات بدون معيل، ما نريده نحن هو مساعدتنا، لتعريف قضيتنا بأنها إبادة جماعية، ولتحرير مناطقنا، وحمايتها بعد ذلك بيد الشبان الإزيديين، وأن تتم إدارة مؤسسات سنجار من قبل الإزيديين.
ومن هنا أريد أن أقول أن المناطق التي تم تحريرها لم تحرر من أجل شرف الإزيديات، بل كان تحريراً سياسياً، لأن كل قوة كانت ترفع علمها في تلك المناطق، أرى أن هذه المعركة ليست من أجلنا، بل من أجل الأعلام، هذا الأمر يجرحنا ويعمق جرحنا أكثر.
رووداو: أنتِ تقيمين في ألمانيا الآن، جزء كبير من الكورد الإزيديين جاؤوا إلى أوروبا، وربما جزء آخر يريد المجيء، هل ترين أنه من الأحسن أن يبقى الكورد الإزيديون في كوردستان، أم أن يأتوا إلى أوروبا؟
نادیة مراد: أنا لا أقول لشعبي لا تتركوا مناطقكم، لا أريد إعادة عائلتي إلى مكان من المحتمل إعادة احتلاله مرة أخرى، لأنه لم يعد لي ثقة بالأشخاص الذين كانوا يقومون بحمايتنا، متى ما تمت محاسبة الأشخاص الذين تركوا سنجار، حينها سأعود أنا أيضا.
رووداو: بماذا كنتِ تشعرين حينما رأيتِ استعادة السيطرة على سنجار من قبل البيشمركة؟
نادیة مراد: لم يتم تحرير سنجار بالكامل إلى الآن، نحن نريد تحرير جميع الأماكن، وأنا أدعم أي شخص يسعى لإيقاف داعش سواء بالقول أو بالفعل، من واجب البيشمركة والقوات العراقية تحرير مناطقنا من داعش بالكامل، كما أن محاسبة القادة الذين غادروا سنجار وتركونا محل سعادة لنا.
رووداو: كيف تنظرين إلى مساعي حكومة إقليم كوردستان لتعريف القتل الجماعي الذي تعرض له الكورد الإزيديين على أنها إبادة جماعية، هل ترين أن هذه الجهود كافية؟
نادية مراد: في معظم الأماكن التي زرتها طالبت بتعريف قضية الإزيديين على أنها إبادة جماعية، لم يقولوا لي إن أحداً جاء للمطالبة بتعريف قضيتكم على أنها إبادة جماعية إلى الآن، لم تشهد هذه القضية أي تقدم، لذا أدعو حكومة إقليم كوردستان والعراق إلى متابعة هذه القضية بجدية.
رووداو: كيف ترين جهود مكتب نيجيرفان البارزاني لتحرير النساء الكورديات الإزيديات من داعش؟
نادیة مراد: جهود تحرير الفتيات والأطفال الإزيديين هذه كانت أمراً جيداً جداً، خاصة من الناحية المادية، لأن الإزيديين غير قادرين على شراء أطفالهم وبناتهم، ولم يعودوا يملكون شيئاً، وإعادة شراء النساء الإزيديات أمر جيد جداً، لكن تلكأت العملية منذ عدة أشهر، نحن نريد استمرار عملية تحرير الإزيديين.
رووداو: أنتِ إحدى المرشحات لنيل جائزة نوبل للسلام، هل الحصول على هذه الجائزة مهم بالنسبة لكِ؟
نادیة مراد: جائزة نوبل جائزة كبيرة جداً، لكن بالنسبة لي فإن تحرير الفتيات والنساء الإزيديات من يد داعش، أهم بكثير من هذه الجائزة، صحيح أن جائزة نوبل جائزة كبيرة ومباركة من جميع العالم، لكن نحن لدينا قضية أكبر من هذه الجائزة.


.webp&w=3840&q=75)
