الاستشارة كقيمة فكرية وعلمية، هي اتحاد الطاقات العلمية والذهنية لتقديم الراي المعزز بآلياته وحيثياته لصاحب القرار، والاستشارة تأتي من جهة أقدر على التقييم لكنها ليست صاحبة القرار والا فان كانت هذه الجهة اقل قدرة علمية أو إدارية من متخذ القرار فلن تكون إلا كتلة بلا فاعلية وحلقة زائدة قد تتولى مهام عديدة ولكنها ليست استشارية، وربما هذا الواقع في البلدان المتخلفة التي تتعاظم فيها الغرائز كحب السيادة والنظرة الفوقية وليس المهام غالبا.
المستشار وصاحب القرار:
القرار الإداري والفني في الإدارات في القطاعات الحكومية وغير الحكومية بات اليوم في اشد حالة الحاجة إلى الاستشارة قبل ترويجه أو تحويله إلى لوائح إدارية وآليات فنية، لكن القرار يبقى كصلاحية للمدير، فلا يمكن أن يكون المستشار في إرادة القرار وان كان في حيثياته، وربما يتردد هنا المدراء بان ما يطرح من راي سيتحمله صاحب القرار فيقوم بتهميش الدور الاستشاري؛ وهذا بحد ذاته سوء إدارة لتنمية العلاقات بين الإدارات والمستشارين.
يلجأ بعض أصحاب القرار إلى تبني الراي الاستشاري دون الإشارة إليه وحتى في الحيثيات وهذا يفتح باب فساد من نوع سرقة الجهود بتأويل السرقة، أو أن يحورها باتجاه قد لا تبقى على فاعليتها، تبني القرارات وكأنها قرار من يصدره أو فكرة يتعامل بها من يعرضها، هو إخلاء لمسؤولية من ناحية وإجحاف لحقوق قد تترتب على الراي، فقد لا يحتاج مثلا أن يكافئ المدير إن صدر عنه القرار بحكم واجبه، لكن المستشار يكافئ لكون عمله مبادرة تعود بالفائدة والربح للمنظومة وهذا بون شاسع قد يضعف الإبداع ويظلم الحقوق، ولعل الحل الأمثل لصناعة القرار أن يكون في النسخ الصادرة والمتضمنة راي الاستشاري نسخة إلى الاستشاري شخصا أو مركزا تشير أن صاحب القرار أصدره تبعا لخبرته فبذلك ستكون المسؤولية محددة معرّفة وتضامنية أحيانا ويثبت في مذكرة الاستشاري نفسه حيثيات الشروع بصناعة القرار (بناء على المشكلة المعروضة من.. أو بناء على ضرورة العمل تقترح..) فيتضح القرار على أي إرادة صنع ومن هو مطلوب منه تقديم التفاصيل.
منهجية مراكز استشارية:
تضع معظم المنظومات في هيكلتها مراكز استشارية، وتحدد مهامها في النظام الداخلي بشكل مقتضب، وما نسمعه من مهام في واقعنا لا نجد أن هذه المراكز ستحدث تغييرا فمهامها في بعض المنظومات لا تتعدى تنسيق اللقاءات والسفريات، وغالبا ما تكون إما مداهنة لرب عملهم أو اقل منه قوة في التحليل وصنع القرار وربما فهما لما هو من مهامها، وربما تتخذ شكلا اكثر رقيا في بعض المنظومات من خلال تقديم الدراسات أو نشر الدوريات أو عمل في هذه الحدود تجنبا لقرار إبعاد من رب عمل قد لا يحب أن ينصح أو يشير عليه احد، مع هذا هنالك مراكز رصينة اكثر تقوم بدراسة وضع المؤسسة نفسه وإجراء التدريب ودورات التعليم المستمر أو تخريج أناس ضمن مدرستها ويقومون على تبني رسالتها فيعرضون ما تقدمه بقناعة وانسجام نفسي مع الذات.
المنهجية المطلوبة بإلحاح
ما زلنا بحاجة إلى مراكز دراسات رسالية بالمعنى الرسالي، أي لا تصر على ايدلوجيا عتيقة وإنما تتجه لترسيخ القيم الحضارية بأسلوب متمدن ومنفتح على الواقع لتعلم الطرق الناجعة وتصحح المسارات للقيم وتفاعلها مع النفسية والعقلية أو الشخصية لمن هم يتعاملون مع منظومتها، وهذا متعلق بالإعلام بالذات وبالمنظمات الاجتماعية والسياسية لتوضيح رؤية يطلبها الواقع المأساوي الذي نحن فيه وكيفية الدخول كمعالج للواقع وتصحيح التشوه في الشخصية الناتج عن تشوه في محتويات الهوية.
الاستشارة ما بين تعضيد الرؤية وبين صناعتها:
عندما يكون مركز الاستشارات لدعم القرار، فهو ليس كمن يكون مركزا للتدريب والتطوير ولا بد للمراكز من معايير تستند إليها في جودة المخرجات أو التقدم للمواضيع والتفاعل معها، وهذه تحتاج إلى آليات وأدوات من اختصاصات أو ملكات أو قدرات فردية وبشكل منظومة وعمل جماعي أو فردي مدعوم من المنظومة وكوادرها الداعمة.
لابد أن تكون هنالك أساليب للمفاضلة بين المخرجات التي تقع ضمن المعايير ذاتها، وهذا سيقدم عرض المنظومة لمنتجها أو مخرجات مركزها الاستشاري أو يؤخره لكن لا يلغيه حتما، حتما تتحكم في إبراز المنتجات سوقها مهما كانت تلك المخرجات وما يحكمها تفاعلها مع الواقع، لكن مهما كان المطلوب هو غير المنتج زمنيا يبقى لهذا المنتج ومنظومة أنتجته حاجة لزمان آخر وربما خطاب مكان آخر، أما استئصال الجزء المنتج لإنتاج لا يناسب زمان ما فهذا قطع لشجرة ستنتج من جديد في فصل آخر، فلابد من رعايتها وسقيها.
إن تغذية المستشار منظومة أو فرد، وتقييمه ليس بالاستغناء وإنما بالاعتناء، واعتباره فاعلا وليس كتاب على الرف يتجمع فوقه الغبار أو إنسان جائع لا يستطيع التركيز للحركة فما بالك بالتفكير، امر غاية في الأهمية فالكنوز تحفظ وتنمى لحاجة لاحقة ومنها ما يستخدم آنيا لتسيير الحياة.


.jpg&w=3840&q=75)
