رووداو – دهوك
كان ثلاثة مسلحين يطلقون النار في باحة الدار، جمعوا كل من في الدار واقتادوهم إلى دار مجاورة حيث تم جمع كثير من أهالي قرية (وردي) في وقت متأخر من ليلة 3 آب 2014، وسرعان ما قرر المسلحون تحريك الشاحنات التي تحمل الأهالي قبل أن يفكر الأخيرون في الفرار، وقال مسؤول المسلحين: "ليس ثم ما يدعوكم للخوف، سنأخذكم إلى تلعفر في أمر ما ثم سنعيدكم".
كانت الشاحنة تحمل نحو 150 شخصاً، كانت بينهم صبية نحيلة الجسم ضعيفة البنية في الثالثة عشرة تحاول طوال الطريق الذي استغرق قطعه ساعتين أن لا تقع تحت أرجل البقية من أهالي قريتها. كان والدها قد سماها (فيروز) بسبب عشقه لصوت الفنانة اللبنانية ذات الصوت الشجي المفعم بالمشاعر.
أنزلوهم في تلعفر، كانوا في هرج ومرج كبيت نمل دخلته مياه السيول يأتون ويغدون على غير هدى. رغم الظلام استطاعت فيروز العثور على والديها.
ومع أول ضياء، قام مسلح داعشي بعزل عشر بنات وكانت فيروز واحدة منهن. تم نقلهن في حافلة إلى الموصل: "كان في الحافلة مسلحان مع السائق، كنا نبكي وكانوا يضحكون، كانوا يمدون أيديهم إلينا ويسخرون من الأسئلة التي نطرحها".
أم حاتم
في الموصل، وضعوهن في بيت من طابقين: "قال لنا الحارس تنظفوا وارتاحوا الليلة، فرحنا بأننا قد حظينا على الأقل بليلة نرتاح فيها، لكن في أوقات متفرقة من الليل، كان يأتي أحدهم كل مرة ويوقظنا ليختار له فتاة جميلة. أخذوا نصف البنات في تلك الليلة، وكانت كل واحدة منهن تعود وهي تبكي".
شعرت فيروز بأن سائق الحافلة التي جاءت بهن من تلعفر كان يراقبها باستمرار، وأحست أنه اختارها منذ أن كانت داخل الحافلة: "جاء في اليوم التالي وأمرني وفتاة أخرى بأن نرافقه وأخذنا إلى بيت. كان معه شخص اسمه أبو أنس البغدادي. أمرني أن أذهب إلى الغرفة الأخرى، لكن صاحبتي كانت تمسك بيدي بشدة، إلا أنهما فرقانا بالضرب ودخلت الغرفة الأخرى. جاء أبو أنس إلي وبقي السائق مع الفتاة الأخرى".
كانت فيروز وصاحبتها فريسة لأبي أنس والسائق ليومين، وحسب فيروز، كان أبو أنس في الخامسة والعشرين من العمر قصيراً أسمر، يؤكد على ضرورة تربية البنات تربية إسلامية.
أخذوا البنات إلى معسكر تربوي خاص بداعش تشرف عليه امرأة تدعى (أم حاتم) التي علمت فيروز الصلاة وتعاليم الإسلام على مدى شهر، وقالت لها "يجب أن تغيري اسمك أيضاً فهناك أسماء أجمل منه"، لكن فيروز لم تحب الاسم الذي اختارته أم حاتم: "كانت أم حاتم تكرهنا على التظاهر بأننا سعيدات للتغييرات التي طرأت على حياتنا، فهي لم تكن تعرف ما نعانيه في أعماقنا".
إلى السعدية
وضعت أم حاتم توقيعها على ورقة ودستها في يد أحد المسلحين. كانت تلك الورقة وثيقة تشهد بأن فيروز تعلمت المسائل الإسلامية وأصبحت مهيأة لخدمة المسلحين وطاعتهم. بعد دقائق، وجدت فيروز نفسها في سيارة عسكرية أخبرها سائقها بأنهم منطلقون إلى محافظة ديالى، وبالتحديد إلى ناحية السعدية التابعة لقضاء خانقين.
كانت السعدية في أوضاع سيئة بسبب القصف الجوي والهجمات المضادة التي تشنها قوات البيشمركة على داعش لاستعادة البلدة، كان قسم كبير من الأهالي قد نزحوا، وكانت حملات التعريب طوال فترة حكم صدام حسين قد غيرت الصبغة الكوردية للسعدية. كان عدد سكان السعدية قبل هجوم داعش 50 ألف نسمة، 65% منهم عرب و30% كورد و5% تركمان. لكن عندما وصلت فيروز إلى السعدية كانت غالبية بيوتها خالية من قاطنيها.
أخذوا فيروز إلى أحد البيوت. كان يبدو أن الطاقة الكهربائية لم تدخل ذلك البيت قط. كان مظلماً وبارداً. فيه امرأة وطفلان، وكان الزوج في جبهة القتال. لاحظت فيروز أن رجلاً خالط شعره البياض يتردد على البيت بكثرة، وهو ليس رب البيت. ذات مساء، طلبت ربة البيت من فيروز أن تذهب إلى الغرفة الأخرى وتمكث وتنام فيها "عندما دخلت الغرفة، لم أر شيئاً فجلست بهدوء، لكن الباب أقفل من الداخل فجأة، كان الرجل الذي يتردد على البيت هناك، وهكذا لم تعد أمامي فرصة للهروب أو المقاومة".
بدأ الرجل الخمسيني أولاً يسأل فيروز عن حياتها وأهلها ومنطقتها ومستواها التعليمي، ثم انقض عليها، وبعد أن قضى منها حاجته، طمأنها وقال لها "أنت ملك لي من الآن".
مع قاضي السعدية
كان الرجل قاضي داعش في السعدية، واسمه أبو نعيم، كان متزوجاً وله طفلان، وأخذ فيروز إلى بيته. كان الناس يترددون على بيته باستمرار من أجل الأمور القضائية وغيرها: "ومع أنه كان قاضياً، كان يذهب أحياناً إلى القتال مع المسلحين".
بعد تحرير السعدية، انتقل أبو نعيم إلى الفلوجة. بقيت فيروز عنده أكثر من سنة. عمل أبو نعيم قاضياً في الفلوجة أيضاً، وكانت زوجة أبي نعيم تصحبها معها عندما تزور معارفها.
في واحدة من تلك الزيارات، ذهبت فيروز مع زوجة أبي نعيم إلى بيت والي الفلوجة، وهناك التقت فتاة إزيدية عمرها 15 سنة واسمها ماريا "كانت ماريا جميلة جداً، لهذا اتخذوا منها جارية للوالي الذي كانت له ثلاث زوجات، وكانت فرصة لأتحدث إلى ماريا".
بعد تناول العشاء، في واحدة من الليالي، قال أبو نعيم مخاطباً فيروز: "ستتغير حياتك من الآن.. أريد أن أبيعك.. أنت هنا منذ فترة طويلة، وستعرفين قيمة هذا البيت".
لكن زوجة أبي نعيم اقترحت على زوجها اقتراحاً لم تكن فيروز تتوقعه: "لماذا تبيعها؟ إن سمعت نصيحتي، تزوجها، ولتبق هنا".
لكن الاقتراح لم يتبعه أي حوار. انشغلت فيروز بعدها بيومين في إطعام الأطفال، حتى طرق أحدهم الباب، ودخل وذهب إلى غرفة القاضي. سمعتهما فيروز وهما يتحدثان عنها. تبين لفيروز أن أبا نعيم أهداها لمسلح داعشي.
صهيب الفلسطيني
دعا أبو نعيم فيروز إلى غرفته ليرى الضيف الهدية التي أهديت له. كان الضيف شاباً عمره 20 سنة، ورأى في فيروز كل ما حدثه به أبو نعيم، فشكر أبا نعيم.
وطلب أبو نعيم من ضيفه أن يأخذ بوصية "لا أريد أن تأخذها كجارية، أريد أن أعقد عليكما هنا وتتزوجها رسمياً، سيكون في هذا خير لك".
ومع أن الرجل كان يريدها جارية، إلا أن أبا نعيم أعلمه أن الفتاة تعلمت الدين على يد أم حاتم وتعرف الصلاة وتعاليم الإسلام، وهكذا أعد قاض داعشي عقد زواجهما.
أصبحت فيروز زوجة لفلسطيني التحق بدولة أبي بكر البغدادي منذ أيامها الأولى. كان اسمه صهيب، ومن الشباب الذين كانوا في السنوات الماضية يلقون الحجارة على الجنود الإسرائيليين.
ذهبت مع صهيب إلى بيتهم، وأمضوا بعض أشهر في هدوء، "في الأشهر الستة الأولى، لم تكن عندي مشكلة غير افتقاد أهلي وقريتي وحياتي الماضية".
كان صهيب يريد من فيروز أن تكون زوجة "مسلمة ومطيعة"، ولا شيء سوى ذلك. كما كانت فيروز بحاجة إلى ذلك الهدوء حتى تتسنى لها فرصة النجاة من قبضة داعش.
المدرب العسكري للأطفال
"في الشهر السادس من عمر زواجنا، شعرت بأن صهيباً بدأ يتغير شيئاً فشيئاً، كان يزداد تشنجاً وقسوة ويخشن لسانه، كان يتحجج ويزعجني ويضربني أيضاً".
سألته فيروز ذات مساء: لماذا تغيرت هكذا؟
صهيب: أنا أريد طفلاً، وأنت لا تريدين وتعاندين.
فيروز: ماذا تفعل بالطفل في خضم هذه الحرب، وأنت لا تعرف ماذا سيكون مصيرك؟
صهيب: نحن بحاجة إلى مقاتلين للمستقبل، لدينا معسكر وندرب الأطفال على القتال ومحاربة الكفار.
كان زوج فيروز مدرباً في معسكر الأطفال، يعلم الأطفال على القتال. كان ما بينهم يسوء كل يوم. حتى أن صهيباً أدمى وجه فيروز عدة مرات.
انتقلوا بقرار من داعش إلى سوريا، وأمضيا سنة هناك. كانت نار الحرب تستعر أكثر كل يوم، وكان حصار قوات وحدات حماية الشعب والجيش السوري وطائرات التحالف يشتد ويضيّق على داعش. أبعد صهيب عن تدريب الأطفال وصار يقضي جل وقته في ساحات القتال.
شكوى في محكمة داعش
كانا قد استقرا في الرقة، ولأن صهيب أصبح في جبهات القتال طوال الوقت، قرر أن ينقل زوجته إلى دار لنساء داعش لتبقى فيها. كانت الدار مخصصة لنساء داعش اللواتي قتل أزواجهن، لحين تزويجهن من جديد "كان يأخذني إلى البيت ليلة واحدة كلما عاد، ثم يعيدني إلى هناك، وكان في كل مرة يوسعني ضرباً".
كونت فيروز علاقات مع نساء داعش المتواجدات في تلك الدار، وقصت عليهن ما تعاني منه وكيف يعاملها زوجها ويضربها كل مرة حتى يدميها.
"تعاطف بعضهن معي، وقالت إحداهن، تستطيعين اللجوء إلى المحكمة وتطلبي الطلاق وتبقي معنا في هذه الدار".
ذهبت إلى المحكمة وعرضت شكواها على القاضي، وفصلت قصتها كل تفصيل وأكدت أنها لا تستطيع الاستمرار معه "قال لي القاضي، نحن لا نستطيع أن نمنحك أي حق ولا قيمة لدعواك لأنك كنت جارية في السابق".
كان داعش في كل يوم يخسر المزيد من الأرض والمدن والبلدات، إلى أن عاد صهيب في واحدة من الليالي وقال لفيروز: "أريد تهريبك إلى تركيا لتذهبي من هناك إلى لبنان، وقد خططت لذلك ودبرت. قمت بإعداد جواز سفر سوري لك، وقد جاءت والدتي من فلسطين وهي ستستقبلك على الحدود التركية وتأخذك معها".
ذهبت مع صهيب إلى مقر لداعش، لتنطلق من هناك إلى الحدود التركية، لكن يا لعجب ما رأت فيروز هناك "وجدت كل المسلحين وقد حلقوا لحاهم مثل صهيب، ليختلطوا بالمدنيين الهاربين، كانت الأشياء تتغير بسرعة، في أقل من ساعتين، وجدت مقاتلي وحدات حماية الشعب هناك، فأمسكوا بصهيب واقتادوه معهم وأخذوني مع النساء".
هناك، طلبت فيروز من مقاتلي وحدات حماية الشعب تزويدها بثياب جديدة، ولما جاؤوها بالثياب ارتدتها وأحرقت الثياب الداعشية التي عانت فيها الكثير على مدى خمس سنوات. ثم أعيدت إلى أهلها.


