جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة وتنظيمات أخرى مشتركة معها في جيش الفتح تمكنت من السيطرة على مدينة إدلب ومدن أخرى واقعة في شمال سوريا، حيث قاموا بطرد قوات الأسد وإحكام سيطرتهم على معظم المحافظة. زحفهم هذا لم يراقب بعين الريبة والقلق من قبل الائتلاف السوري، بل لاقى ترحيبا مبكرا وتهنئةً ضمنيةً وهنا السؤال الذي يطرح نفسه هل الائتلاف السوري المعارض يجد في انتصارات المتطرفين الدخلاء على الثورة السورية أيضا سبباً يدعو إلى المسرة؟
وتعتبر أية انتصار على الأسد مهما كانت الجهة المنتصرة عليه تقدماً؟ الكتائب والقوى الإسلامية المتطرفة التي تقوم بتعذيب المواطنين وقتلهم وفق فتاوى ظالمة لا يبشر بمستقبل ديمقراطي مدني لتلك المناطق خصوصا أن علينا أن نعلم أنه سيتعرض أشخاص القتل فقط لأنهم يرفضون تصورات وأهداف جبهة النصرة أو فصائل متشددة أخرى.
إن موقف المعارضة السورية المشار إليه أعلاه يدفعنا للتفكير حول دور الدين في دولة القانون الديمقراطية، الدور الذي يستطيع أن يلعبه، الذي من الوجوب أن يلعبه، الذي يسمح أن يقوم به في الدولة الديمقراطية المدنية. ماذا تعني الدولة المدنية أساساً؟ ماذا يقُصد بفصل الدولة عن الدين أو فصل المؤسسات الدينية عن الدولة؟ ماذا يعني القول، بوجوب بقاء الدين "أمراً شخصياً"؟ بينما يمثل الإسلام السياسي الموقف القائل بوجوب صياغة الدستور والتشريع والحياة اليومية طبقاً لقواعد الشريعة، حيث تصبح الدولة والإسلام وحدة غير قابلة للفصل، تكون الدولة والدين منفصلتان عن بعضهما البعض في المجتمعات العلمانية، من الصحيح أن التشريع يأخذ ملامح الأغلبية الدينية في دولة ما إلى حد كبير، وذلك لأن أغلبية الشعب أو النواب، الذين يقررون القوانين، يكونون متأثرين بالتقليد والعرف السائدين، اما في الديمقراطية العلمانية يكون البرلمان في النهاية هو من يقرر إذا ما سيتم منح أحد القوانين الصلاحية أم لا، في حال المنازعات تُقرر المحكمة الدستورية العليا ذلك، المعايير الدينية لا تترجم واحدة تلوه الأخرى إلى قوانين، وخاصة إذا ناقضت القيم الديمقراطية الأساسية كالمساواة بين جميع المواطنين أمام القانون.
على الرغم من إن الكثيرين يرون سوريا تحت حكم بشار الأسد دولةً علمانيةً، إلا أن الدستور السوري يذكر الشريعة على اعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع، وبذلك هي من يحدد القانون المدني. وتبعاً لذلك وبحسب قانون الأحوال الشخصية والميراث لا يتم معاملة المرأة معاملةً مساويةً للرجل، على المسيحيين يسري قانون أحوال شخصية آخر، علاوةً على ذلك يحدد الدستور وجوب أن يكون الرئيس مسلماً.
هنا نرى أن المواطنين وبكل وضوح غير متساويين أمام القانون، حتى التسامح الديني إذا ما وجد فإنه يقتصر على المسيحيين واليهود، أي فقط الأديان السماوية المعترف بها من قبل القرآن. إن القاعدة الحاسمة لكل مجتمع ديمقراطي هي أن يكون جميع المواطنين وبعض النظر عن الجنس، الانتماء الديني أو التوجه الجنسي، متساوين أمام القانون، وهي الشرط الرئيسي ليتمكن الجميع من المشاركة بشكل عادل، تبعاً لذلك هناك فقط إسلام واحد يتوافق مع المجتمع الديمقراطي، وهو ذلك الإسلام الذي يقبل المثليين كمعلمين، شرطة وقضاة، هناك إسلام واحد فقط فهمَ ماذا يعني فصل الدين عن الدولة، وهو ذلك الإسلام الذي يقبل المسيحي واليزيدي كرئيس تماماً مثل ما يقبل المسلم. فقط المسلمون، الذين يبحثون وراء الأسباب التي بها تُرتكب كل هذه الجرائم البربرية باسم الإسلام، الذين لا يصمتون، الذين لا يطورون نظريات مؤامرة تنتهي بالخلاصة ذاتها دوماً والقائلة: بأن الغرب واليهود سبب كل الشرور، فقط أولئك المسلمين يستطيعون بناء المجتمع الديمقراطي. فقط رجال الدين، الذين يفسرون القرآن بالطريقة التي تدعم التعايش السلمي المشترك بين الديانات المختلفة، لهم مكانهم في الديمقراطية، على المؤمنين بكل المعتقدات الدينية أن يتحملوا، إذا ما قام غير المؤمنين بالتهكم والاستهزاء بدينهم، على المتدينين المسلمين أن يتحملوا، إذا ما أساء غير المؤمنين أو معتنقي الديانات الأخرى إلى رسول الإسلام وقاموا بوصفه بأنه داعية حرب وعلى المسلمين أن يتحملوا إذا عبروا علناً عن رأيهم هذا في الإسلام، المسلمين ليسوا مجبرين أن يشاركوهم الرأي هذا ويستطيعون وصفه بالخاطئ كما ويستطيعون وصفهم بالكفار، يستطيعون التظاهر والاحتجاج، يستطيعون أن يجادلوا ويحاجوا، ولكن يجب أن يكون سلاحهم الوحيد هي الكلمة، لا السجن، لا السوط ولا القتل في المجتمع الديمقراطي لا يُجبر أحد أو يقهر على الإبقاء على دينه أو تغييره أو الاعتقاد بشيء آخر. الحرية الدينية لا تعني فقط حق الأفراد بقناعاتهم الدينية، بل تعني ايضاً الحق بعدم الاعتقاد. لا يُسمح للمدرسة بأن تقوم بإيصال الشعور للطفل، بأن المسلم أكثر قيمة من المسيحي أو الملحد أقل قيمةً من اليهودي أو الهندوسي.
إن الوظيفة الرئيسية للمدرسة هي التربية الدنيوية المدنية، هي إيصال العلم بالدرجة الأولى، هي التربية للوصول إلى المواطن الناضج الراشد، أيضاً إيصال الجانب الديني التاريخي، ولكن ليست وظيفتها بث الإيمان والاعتقاد، من يريد أن يعلم أبنائه القيم والقناعات الدينية، يستطيع ويُسمح له أن يفعل ذلك ولكن عليه ألا يسيء استخدام مؤسسات الدولة في غايته هذه. إن كيفية خلق التوافق بين المبادئ هذه وبين الإسلام، ليس فقط على صعيد الأفراد، بل على صعيد الدولة ومؤسساتها، تعتبر أهم الأسئلة أو أكثرها حسماً على الإطلاق، وعلى المجتمعات الاسلامية يقع العبء الأكبر في ايجاد إجابات مستقبلية. عندها فقط يتفق الإسلام مع المجتمع الديمقراطي، عندما يُقرر غالبية المسلمين تفسير وفهم القرآن وفق هذه القيم.
أما إذا ما كانت المعارضة السورية المتمثلة في الائتلاف السوري المعارض بمواقفه الحالية سيلعب دوراً بناءً وهادفاً في هذه العملية، فهذا ما نشك به، خاصةً بعد تغافلها المقصود الأخير لهذا الجانب في محافظة إدلب.
الترجمة من الألمانية: رامان خلف
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية



