فاجأتني سعة انتشار مقالة "رئاسة الوزراء.. اشكركم فالشروط غير متوفرة" الخميس الماضي، رغم انني لا املك جيوشاً الكترونية وتنظيمات وسلطة للترويج لهذا التأييد والتعليقات الايجابية، فكلي شكر وامتنان للمؤيدين، كما للمعارضين.. نافياً كون الهدف الترويج الشخصي، رغم انه ليس بالامر المعيب. والذين يعرفونني جيداً سيؤكدون انني عند القرار اكون قد عزمت امري، وهذه أمثلة:
أ- قال المرحوم الطالباني ساقطع اصبعي إن وقعت على الاستقالة (2011) كنائب للرئيس، فقدمتها 3 مرات لينتهي بتوقيعها مع هامش يقول انه يوقع مضطراً..
ب- وبعد استيزاري للنفط بيوم واحد (ايلول/2014) رأيت الواجب زيارة الاخوة المحاصرين من قبل "داعش" في "مصفى بيجي"، فجاءني كبار ضباط القوة الجوية في منتصف الليل وطلبوا التأجيل، لخطورة المهمة بنسبة 70%، فقلت ان "السمتية" ستحط لايصال المؤونة سواء اكنت عليها ام لا، اليس كذلك؟ قالوا نعم.. قلت اذن ساكون عليها.
ج- واتصل الاخ العبادي طالباً مني العودة عن الاستقالة من وزارة النفط قبل استيزار الاخ اللعيبي، فاعتذرت، مؤكداً دعمي لحكومته.
د- وعندما خرجت من "المجلس الاعلى" حاول الاخوة ثنيي دون جدوى، وبعد عامين حصلت الانقسامات المعروفة. وفي ذلك كله لم يضغط عليّ احد، بل العكس تماماً، فالأمر يتعلق بحسن تأدية الواجب وتقدير الموقف. والهدف الدفع لما هو اجدى. فاتخاذ الموقف له اسباب، وما لم تتغير الاسباب لا يتغير الموقف.
لا اقوم بذلك ترويجاً ولا احباطاً او تشاؤماً، فانا متهم بداء التفاؤل. والتفاؤل يجب ان لا يكون لأوهام شخصية، بل لمسببات موضوعية.
وان تبيان المعوقات والاخطاء والرفض جزء من التفاؤل الموضوعي.. ويجب عدم الخلط بين شروط النجاحات وتولي المسؤوليات. فالبلاد قد تتقدم وكثير من الاكفاء خارج المسؤولية، والبلاد قد تتراجع وكثير من الكفاءات في المسؤولية.
1- اؤمن ان مسؤولية اختيار وزراء اكفاء لا تقل اهمية، ان لم تكن اهم من اختيار رئيس الوزراء نفسه. ليس من الصحيح تكرار تجربة الدورات الماضية وجعل الامور كلها بيد رئيس مجلس الوزراء. فالعراق ليس بحاجة لشخص يدور حوله الاشخاص والمؤسسات.. بل بحاجة لمؤسسات قوية يدور حولها الاشخاص والمسؤوليات. وان اعطاء حجم اكبر للمادة (66) حول كون رئيس الوزراء المسؤول التنفيذي الاعلى، قد اساء للدستور، وعطل فاعلية بقية مواده التي في مجملها تعطي الصلاحيات الاوسع لمجلس الوزراء.. وان صلاحيات رئيس الوزراء مستلة من صلاحيات المجلس وليس العكس، الا استثناءاً.
2- ان المسؤولية التضامنية والشخصية للوزراء ورئيس مجلس الوزراء (المادة 83)، تقتضي الحرص على تنفيذ قوانين الوزارات واحترامها واعتبارها حاكمة لمجلس الوزراء ولرئيس الوزراء وللوزراء، لا ان تتحول الاوامر الديوانية والامانة العامة الى محور السياسات والقرارات.
3- لن يجد العراق خلاصه، ان لم يكتشف طريقه الخاص، وتوازناته ومعادلاته الناجحة. ان طريق الرجل الواحد -بكل نسخه- قد جُربت وفشلت، ولا مجال لتكرارها. ولا طريق امامنا سوى جعل قوانين الوزارات والمؤسسات ونظمها الداخلية محور عمل الدولة بعيداً عن المواقف "الثوروية"، لنؤسس لمنظومة ادارية واضحة متناغمة، في خلفياتها الفلسفية، وفي سياقات عملها واهدافها. لابد ان نعي جميعاً هذه المعادلة لتصبح هي الضاغطة على القوى السياسية والسلطات الثلاث، لتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات حيث التوازن بين الاستقلالية والتكامل، وليأخذ كل مكانه الصحيح دون تداخل او انفلات، يعطل بعضه بعضاً.
4- الواقع التعددي للبلاد مع حقيقة محورية النظام البرلماني يجب ان تجد اصداءها في الاغلبية البرلمانية السياسية الوطنية، كما تجد اصداءها في التطبيقات التنفيذية، لا ان ترتد التطبيقات التنفيذية والقوى السياسية وتتصرف وكأن العراق بلد يمكن ادارته بلون اثني او مذهبي واحد، وبنظام فردي.
ولعل التاريخ الطائفي/الفردي لادارة البلاد لعقود وقرون اساساً، قد اخترق وعينا وسلوكنا، وصرنا الوجه الاخر لهذا المسار، بينما المطلوب تقدم الحل المؤسساتي الذي يدور حوله الافراد ويحتوي كل التلاوين، لا ان نجدد البحث عن الفردنة والطائفية والاثنية والمحاصصة لتدور حولها المؤسسات وديناميكيات الحكم.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



