كلمة المحتل، تعبر بكل اللغات عن نبذ من يوصف بها، وخاصة عندما تأتي على لسان الأقوام التي تحتل دولة أو قومية أخرى وطنها، فالاحتلال يأتي نتيجة الغطرسة، القوة، السلطة والمصالح، وكان الغرب هو السباق في مجال الاحتلال.
بالرغم من أن ظاهرة الاحتلال، أو الاستعمار، قائمة في كل العصور، فإنها اتخذت صورتها الحالية منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وهي عبارة عما أطلق عليه الأوروبيون اسم "الاستكشافات" من قبيل اكتشاف أمريكا من قبل كريستوفر كولومبوس، بالرغم من وجود أمريكا قبل وصول كولومبوس إليها.
بات اضطهاد السكان الأصليين لأمريكا وأفريقيا وآسيا الميرة الأساس للاستعمار، وتسبب في نشوب عشرات الحروب، وابتكرن الدول المشكلة حديثاً في آسيا وأفريقيا نوعاً من الاستعمار، هو نسخة أسوأ عن الاستعمار الأوروبي، ودعونا لا نذهب بعيداً لضرب الأمثلة، فقد تم تقسيم كوردستان على عدد من الدول وتنصيب حكام من غير سكانها الأصليين على حكمها.
لا أريد هنا الخوض في تاريخ ظهور الاستعمار، بل أقصد استعراض وجه آخر للاستعمار، يتمثل في مقاومة الأمم المحتلة للاحتلال، وأخص الكورد منها، وأضرب مثلاً إقليم كوردستان، الذي يشهد منذ أكثر من قرن كفاحاً مسلحاً في سبيل طرد المحتل لا يزال مستمراً إلى الآن.
في السنة الماضية، عندما أجري الاستفتاء على استقلال إقليم كوردستان، كان ذلك محاولة لجني ثمار مئة عام من نضال وكفاح شعب لم يكن له سند أو ظهير غير جباله، إذ أن مصالح المتسلطين والقوى العظمى تركتنا وحيدين "مئة عام". كان المستعمرون يعتمدون سياسة "فرق تسد" لضمان انتصارهم، ويبدو أنهم تركوا هذا النموذج في العمل لورثتهم الترك والعرب والفرس الذين اتبعوه على أحسن ما يكون في كوردستان، وخير دليل على ذلك الخيانة التي حصلت في 16 أكتوبر بعد الاستفتاء.
كانت تلك المرة الأولى، في تاريخ كوردستان، التي قال فيها قائد للعدو الرئيس والثانوي "لا"، لن نسمع حتى لأصدقائنا، في ما يرتبط بقضايانا المصيرية، إذا استشرناهم وأشاروا علينا بما لا يخدم مصالحنا، فنحن أيضاً لنا مصالحنا، تماماً مثلما لكم ما تسمونه بالمصالح القومية.
الذي قال هذا، هو الرئيس مسعود البارزاني الذي قال بصوت جهور لا لن نسمع لكم، ولن نحمل العار أمام شعبنا وتاريخنا بعد اليوم! لن نركع ولن ننحني. ليت البارزاني اتخذ قراره هذا في العام 2004.
سمعت من كثير من مسؤولي كازيك (جمعية إحياء كوردستان) أن بعض المسؤولين الذين يستصغرون أنفسهم، كانوا في ستينيات القرن المنصرم، يدعون العراقية ويناهضون قيام دولة كوردستان، بل كانوا يكتفون بالمطالبة بحقوق ثقافية صورية للكورد، فكانوا يعارضون (كازيك) بل ويشتكونهم عند مصطفى البارزاني، الذي تساءل من هم (كازيك) الذين تذكرونهم بسوء، وماذا يريدون! فيردون عليه: هؤلاء شوفينيون يطالبون بإقامة دولة ولا يتجاوز عددهم الدزينة الواحدة! فيعبس الجنرال في وجوههم، ويقول لهم: وما الذي أناضل أنا من أجله! أطلب منكم أن تدرجوا اسمي في ذيل القائمة التي تضم أسماءهم.
كان أحمد توفيق، القيادي البارز في الحزب الديمقراطي وفي كوردستان إيران، ولمواجهة الذين يعارضون الجنرال البارزاني، يصدر في مطلع ستينيات القرن المنصرم، مع ملا جميل مردوخي وآخرين، مجلة محلية في السليمانية، أطلقوا عليها تسمية "ديسان بارزاني = البارزاني من جديد"، كانوا يتحدثون فيها عن نضال وكفاح البارزاني، فتعرضوا لنقد السذج وأتباع المحتل العراقي.
أنا لا أزعم أني أشبه أحمد توفيق، كما أن كاك مسعود ليس بحاجة إلى إطراء مني، لكني أكتب هذه الكلمات عن قناعة، لأني مذ بدأت التفكير، كنت تواقاً وداعياً للاستقلال، ومنذ العام الماضي كنت مدافعاً صلباً عن الاستفتاء. إذ أن التاريخ أثبت بأن الاستقلال وحده يستطيع الحفاظ على كرامة الأمة، وما حدث في كركوك وطوزخورماتوو بعد 16 أكتوبر ولا يزال جارياً، يثبت صحة رأيي هذا، لهذا إن كنا نبحث عن الكرامة فلا يجوز أن نسمح بتكرار الخيانة، وهذه مهمة لا يستطيع التصدي لها إلا الذين يأبون أن ينحنوا.
وعدد هؤلاء يزداد بمرور الوقت.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية



