نشهد في الأسابيع الاخيرة تطوراً كبيراً في رصد نشاط مفارز وشبكات فلول داعش النشاط الهجومي الذي يستهدف المناطق المدنية والقرى المكتظة بالسكان، وهو مـن الأنشطة الإرهابية المتنوعة التي تدق صفير الإنذار نظرا لتداعيات تلك الهجمات التي ترتكز على تطييف العمليات الإرهابية في المناطق المختلطة سكانيا أو عسكريا أو التي لها ميزة دينية خاصة، كما تعتبر هذه العمليات مؤشرا على تعاون لثلاث قواطع عمليات لتنظيم داعش "كركوك وديالى وصلاح الدين" للتنسيق فيما بينهم في إطار عسكري أمني مقنن ومنظم، بالإضافة إلى أن هذه العمليات تساهم في تحقيق الثأر والتمويل الذاتي وإثبات الوجود لدى قيادات وافراد التنظيم في تلك المناطق من خلال عودة التغطية الإعلامية الدولية والمحلية لقواطع عملياتهم.
شهر رمضان تعتبر أيامه لها مزية قتالية خاصة لدى التنظيمات الإرهابية التكفيرية حيث تكثر فيه الروح التنافسية بين افراده من أجل تنفيذ عمليات انتحارية «عملية مديرية استخبارات كركوك حيث قام يوم ٢٨ نيسان الماضي بتنفيذها إرهابي ليس عراقيا بحسب بيان وكالة أعماق الداعشية» وانغماسية «عملية مكيشيفة فجر يوم ٢ أيار»، العملية نوعية لأنها استخدمت انتحاري وانغماسي في الوصول الى داخل المدن السكنية، وهذا تحول نوعي، فقد كانت داعش طيلة عامي 2018 و2019 تبحث عن مأوى في المناطق المفتوحة " في منطقة الخانوكة بتلال حمرين، في منطقة جبال قرة جوغ جنوب قضاء مخمور، في وداي الشاي ووادي زغيتون في كركوك، مناطق وادي العظيم وجزيرة جلام ومنطقة مطيبيجة في صلاح الدين..." لكنها اليوم أصبحت تقاتل داخل احزمة المدن الريفية وتهاجم داخل المدن الحضرية.
هكذا عمليات من المفترض ان تنتبه إليها دوائر الاستخبارات والمعلومات والتحليل، أن الإرهابي يحتاج لتنفيذها الى عدة أمور وهذه الحاجة هي نقطة ضعفه، فهو بحاجة الى مضافة قريبة للهدف وأخرى بعيدة وبينهما ناقل وساعي بريد وعنصر استخباري ومجهز السلاح والاحزمة الناسفة، وهم بحاجة الى معسكر للتدريب الرياضي والعسكري ومقر للتحكم والسيطرة لتقديم القدرات الخططية والتي تظهر بوضوح في تنفيذ العمليات الجماعية من خلال المزج بين جميع المفارز التي كلفت بتنفيذ العملية، سواء كانت استخبارية واستطلاع أو تقنية أو نقل ولوجستي أو مفرزة اسناد.
وهــذا الارتباط والتنسيق العملياتي الخططي يبرز لنا بوضــوح في هجوم يوم ٢ أيار/مايو على نقاط المرابطة للحشد الشعبي في ناحية مكيشيفة مــن خلال الـترابط في أداء الهجمات، حيث تشير تسريبات أمنية مطلعة في الحشد الشعبي ان الهجوم بدأ منسقا على اربع مناطق تقع في محيط مدينة سامراء وهي مكيشيفة ومطيبيجة والدور وتل الذهب، الهجوم انطلق من منطقة جزيرة جلام شرق النهر ومن الضفة المقابلة لمدينة الدور، 4-5 مفارز يتراوح عديد كل مفرزة ب10-11 إرهابيا، الهجوم ركز على إحدى نقاط التفتيش التابعة لقوات الشهيد الصدر لواء 35 حشد شعبي في منطقة مكيشيفة، أدى إلى مقتل جميع أفراد النقطة، والبالغ عددهم 6 عناصر من الحشد الشعبي، حيث أن النقطة افتتحت قبل إيام بعد انسحاب فوج طوارئ الديوانية، وعند تقدم دورية من الحشد الشعبي مع قوة من الشرطة الاتحادية ومفرزة من الاستخبارات إلى مكان الحادث، انفجرت عبوة ناسفة بدورية تابعة للواء 35 حشد شعبي، أدت إلى مقتل بعض العناصر وجرح ثلاثة آخرين.
في الشهادة الأمنية اعلاها نلاحظ ان العدو اختار نقطة مرابطة أنشأت حديثا، وهذا يعني ان لديه استطلاع استخباري قريب ولديه ما يمكنه من الاقتراب لتلك النقاط العسكرية بدون حذر او ريبة وتاليا هذا يعني ان جهة امنية او عسكرية قريبة مخترقة من قبل متعاون مع هذه المفارز، وثانيا الجهة الناقلة التي ساعدت هذه المفارز على العبور من جزيرة جلام عبر النهر، وأيضا الانسحاب مرة أخرى عبر النهر الى الضفة الشرقية.
قالت هيئة الحشد الشعبي في بيان صحفي إن "مواجهات قوية خاضتها قواتها ضد عصابات داعش في منطقتي بلد ومكيشيفة جنوب تكريت ضمن قاطع عمليات صلاح الدين.. والحصيلة الأولية هي مقتل عشرة من مقاتلي الحشد وجرح آخرين، وهؤلاء تم إخلاؤهم إلى مستشفيات طبابة الحشد الميدانية لتلقي العلاج".
بعد انسحاب فلول داعش كان من المفترض استمرار المطاردة والتي تفرضها قواعد حرب الشوارع أو حرب العصابات وطبيعتها القتالية التي تتطلب الدقة والسرعة والذكاء بدرجة أولى. ويمثل الدعم الجوي والمروحي هو العنصر الأهم بعد المعلومات الاستخبارية في انجاز مهمة المطاردة وهو جزء هام من التحضير العام والشامل لانهاء قدرات المفارز المتواجدة في المناطق المفتوحة.
يعتمد تكتيك داعش الجديد على الترابط بــين القواطع "ديالى، كركوك، صلاح الدين" في نقاط جغرافية مشتركة محصنة بالتضاريس الطبيعية "جزيرة جلام"، هذه النقاط تقوم بالاستقبال وتهيئة الدعم اللوجستي، ومن ثم توزيع المهام على المفارز، والتخطيط للهجوم، الطريقة الأساســية لتنفيذ عمليات نوعية في هذا التكتيك من خلال "الانهاك المجهد" عمليات في جبهات متعددة تنهك القوات التقليدية المرابطة في معسكرات وثكنات ونقاط امنية، ثم مراقبة الثغرات والمناطق الهشة وتنفيذ الهجوم، ولهـذا يجب تدمير النقاط المشتركة بين قواطع العمليات الداعشية، فــإن تدمير تلك المناطق يستلزم قوات خاصة مدربة على أعلى مستوى لإحداث هـذا الاجتثاث وقطع الترابط والتنسيق وآلية التواصل بين قواطع عمليات العدو من خلال استراتيجيات مدروسة ومجربة مسبقا سواء من المنطقة المفتوحة أو المنطقة المشتركة وهو الذي ينبغي ان ترصده دوائر المعلومات والاستخبارات.
معرفة دور هذه المناطق في الاستقبال والتوزيع في التحكم في فعالية الهجوم من المنطقة المشتركة نحو الهدف، تحسين الدعم اللوجستي لنقاط المرابطة القريبة من المناطق المفتوحة واحزمة المدن الريفية، وتفعيل دور الحشد العشائري والمناطقي فهم جهد استخباري وقتالي خبير وبامكانهم منع أي تسلل كل ما يحتاجونه هو الدعم الجاد والمهني عسكريا ولوجستيا.



