رووداو ديجيتال
في مشهد إعلامي يغمره سيل متسارع من الأخبار والمعلومات لحظة بلحظة دون انقطاع، بات الصحفي أمام موجة من التحديات لا تتعلق بوصوله للمعلومة فحسب، بل بفهمه السليم والصحيح لهذه المعلومة لإحاطتها بسياقها الواقعي والحقيقي بعيداً عن الاجتزاء أو التأويل في إطار الأبعاد السياسية والتاريخية والاجتماعية الصحيحة.
لذا، على الصحفي وعلى نحو دائم أن يضطلع في تنمية مهارة القراءة لدية بوصفها إحدى أبرز الدعائم الأساسية للعمل الصحفي بعيداً عن كونها جزءا من ثقافته، بل أعتبرها ضرورة ومرتكزا لا غنى عنهما في ممارسة العمل الصحفي بقدر عالٍ من الرؤية العميقة والمسؤولية المطلوبة.
في الحالة الكوردية خصوصاً بالنسبة لممارسي المهنة حديثاً والبعض منهم قديماً، هناك حاجة ملحة للصحفي القارئ في عصرنا الذي تتداخل فيه مسارات التحول والتغير على نحو معقد وذات طابع مركب، فالملفات الكوردية الهامة في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا حالياً لا يمكن فهمها عبر متابعة الحدث بصورة سطحية مختزلة أو عاجلة، بل لابد من معرفة عميقة بما وراء الخبر وفهم الماضي ذات السياقات التاريخية والقانونية والسياسية والثقافية وغيرها الكثير لربطه بالحاضر وفقاً للمعايير المهنية، ما يعزز فكرة قراءة الحدث في سياقه الأعم.
كيف يصنع الصحفي الفهم؟
تعتبر القضية الكوردية في سوريا من أبرز القضايا التي تتطلب قراءة معمقة من قبل الصحفي الذي يتناولها في إعداد محتواه الصحفي. وباعتبار أن الحدث الآني هو تجسيد للمشهد التاريخي والسياسي والاجتماعي والثقافي من خلال تشكلها التدريجي عبر سنوات، ليس مقبولاً من الصحفي قراءته أو مقاربته عبر متابعته للأخبار اللحظية لأنها ستفضي وبكل تأكيد إلى إدراك مجتزأ ورؤية أحادية الجانب لحقيقة الملف المطروح.
إن الصحفي القارئ يعرف تمام المعرفة أنه ليس بناقل للخبر فقط، بل يعد جزءا جوهرياً من أي حوار يمس التفاعل الفكري، أو نقاش لتبادل وجهات النظر لاسيما تلك تغطيته للفعاليات التي تتمحور (على سبيل المثال) حول القضية الكوردية والملفات المرتبطة بها كاللامركزية السياسية، التمثيل الكوردي في البرلمان السوري، والاعتراف الدستوري بالحقوق الكوردية ومستقبلها؛ فهو لا يعتمد فقط على نقل التصاريح من الأطراف المعنية بالحدث أو القضية الكوردية، بل يسرد بصورة مباشرة أو غير مباشرة الوقائع التاريخية المرتبطة بالموضوع من نهج الإقصاء والتهميش تجاه الشعب الكوردي وممارسات التمييز التي كانت تطال النضال الكوردي في سوريا وإلى الآن.
وفي ذات السياق، يواجه الصحفي اللاقارئ وفي فضاء إعلامي متسارع الوتيرة تحديات جمة رغم إمكانياته المتوفرة لنقل ظاهر الحدث ولكن دون مكنوناته الداخلية وخلفيته المعمقة. هنا، الصحفي يعاني نقصاً في المهارات والوسائل المعرفية لتحليل السرديات التي رسمتها تغطيته الصحفية للحدث، ما يكرس منطق الطرح السطحي وإعادة إنتاج ضعف الأبعاد والمقاربة التحليلية.
في المشهد الإعلامي الكوردي، يحتاج الصحفي إلى توسيع دائرة قراءاته لدعم قدراته في تفسير وتحليل الملفات التي يتناولها بمنأى عن الرؤى المسبقة والأطر المغلقة كما هو الحال بالنسبة لقراءة التاريخ الكوردي الذي لابد منه للاستفادة من التجارب السابقة لاسيما ما يخص الأطر الإعلامية، لإنتاج محتوى يتسم بالاتزان والعمق في ظل بيئة إعلامية تتشابك فيها المسارات وتتداخل فيها أجندات متناقضة. هنا أرى أن القراءة هي التزام مهني بفرض من معايير الإعلام المهنية خارج نطاق التفضيل الذاتي.
القراءة تمنح التفكير النقدي
أعتقد أن القراءة بالنسبة للصحفي أعمق بكثير من كونها مجرد تخزين للمعلومات، وإنما هي قيمة مضافة فعلية في تعزيز وصقل الملكة النقدية لدى الصحفي وتطوير أدواته في التفكير النقدي. هنا يبرز السؤال الأعمق: هل الصحافة متمثلة بنقل الخبر وجمع المعلومات فقط، أم أنها مهنة للنقل والتفسير وبلورة سياقات توضح الواقع كما هو وتقديمها للرأي العام كونها مَن تساهم في تشكيل وعيه؟
من خلال المطالعة المتواصلة، يتكون لدى الصحفي نظرة ورؤية واقعية حول حقيقة ما يجري وبعمق، ما يكسبه مهارات للتعامل مع كافة الملفات والأحداث بوعي ناقد ومنهج قائم على التقويم والتمحيص ومتابعتها رغم ما سيواجهه من عقبات تعيق استكمال إنتاج مادته الصحفية ربما تقود إلى التشهير به أو اعتقاله أو حتى في أسوأ الحالات حذف مادته.
في خضم التحولات المتسارعة المرفقة بالاستقطابات الإعلامية والسياسية في المشهدين السوري عموماً والكوردي خصوصاَ في ظل المرحلة الانتقالية لابد من إيلاء الأهمية الكافية لعملية التفكير النقدي خاصة أننا نواجه موجة شاسعة من تشظي الخطابات والروايات المتداولة وسط شبكة معقدة من المصالح المتضاربة. هنا، تصبح القراءة أداته الوحيدة في الابتعاد عن المقاربات المعدة مسبقاً التي تتبنى طرح أحادي المنظور، لتبدأ مهمته في الانتقال من ماذا حدث إلى لماذا حدث وكيف وما هي جذور ذاك الطرح، ناهيك عن السياقات الحقيقية التي يمكن البناء عليها التي تجعل من الصحفي محللا يرى الحدث من منظور لا منحاز أو أحادي الجانب يدخله في خانة القلق المعرفي المنهجي باستمرار بعيداً عن الانزلاق نحو تفسير المعطيات غير المكتملة وإصدار نتائج دون تمحيص.
الصحفي القارئ لا يتلقى المعلومات والأخبار كما هي، بل يبذل جهداً لإعادة إنتاجها بناءً على تحليلها العميق واختبارها ومساءلتها والتدقيق في حيثياتها وبناء رؤية مستقلة تجاه الملفات التي يتناولها.
نحو صناعة الصحفي القارئ
أؤكد أن القراءة هي إحدى المقومات الجوهرية لتطوير عملي الصحفي، ما يفرض علي جهداً إضافياً كي أدرجه كعادة يومية ضمنه سواءً كنت أعمل بشكل حر أو داخل وسيلة إعلامية محددة، لذا أقترح سلسلة من الممارسات التي تضع الصحفي في خانة الوعي والتفكير النقدي أبرزها إعداد منهجية واضحة حول كيفية قراءة الكتب والمقالات والدراسات المتعلقة بالقضايا (من مصادر معرفية موثوقة ومتخصصة بالسياسة والإعلام واللغات والمجتمع وغيرها العديد من الشؤون) التي سيغطيها الصحفي بشكل يومي مع متابعة مستمرة للأخبار والأحداث المختلفة وفهمها من عدة زوايا، إنشاء ملتقيات ولقاءات القراءة الحوارية التي تخص العمل الصحفي سواءً من قبل صحفيين مستقلين أو مؤسسات إعلامية وعقدها بشكل منتظم لتحديث كل ما يتعلق بالصحافة والإعلام ضمن المنطقة، إضافة إلى دعم الفئة الشابة من الصحفيين والصحفيات عبر تدريبهم على بناء واكتساب مهارات عملية حول أهمية المطالعة والقراءة والصحافة على حد سواء للإسهام في تطويرها والاستفادة منها ضمن قطاع الإعلام مستقبلاً.
بناء رصيد معرفي والانخراط في توسيع دائرة تطوير الذات من قبل الصحفي عبر القراءة لا يعتبر توظيفاً للتكوين المعرفي الفردي فقط، بل توظيفاً حقيقياً وفاعلاً في مستوى المعالجة الإعلامية للقضايا الذي يساهم في رفع جودة الإنتاج الإعلامي ذاته.
اليوم، المشهد الإعلامي الكوردي يحتاج إلى صحفيين ذوي مستوى عال من المعرفة بقدر ما هو ناقل للوقائع والأحداث لأن الصحافة مسؤولية تحتم تحليلاً دقيقاً في ظل التعقيدات المتشابكة التي تمر بها القضية الكوردية حالياً، وإيصالها للجمهور من خلال عرض متوازن يعكس سياقاتها المختلفة وأبعادها المتعددة والمركبة. في زمنٍ صارت فيه المعلومة في متناول الجميع، يثار سؤال تحليلي ومهم: إذا كانت القراءة تعد من أبرز الآليات المعرفية التي يستند إليها الصحفي في بناء الفهم والتفسير والتحليل، فلماذا لا تعد القراءة أولوية لدى غالبيتهم في ظل الفجوة المتضخمة بين انسيابية المعرفة وعمق القراءة؟



.jpg&w=3840&q=75)