إن بناء دولة المؤسسات الحقيقية،
والخروج من دائرة المحسوبيات والولاءات الحزبية الضيقة والبيوتات السياسية، يمثل
ضرورة وطنية ملحّة ومسؤولية تاريخية وأخلاقية تقع على عاتق جميع أبناء الوطن دون
استثناء، لأن الأمم لا تُبنى بالشعارات ولا تستقر بالخطابات، بل تُبنى بإرادة
واعية تؤمن بالقانون، وتُحكِّم المؤسسات، وتقدّم المصلحة العامة على كل المصالح
الأخرى.
إن الدولة الحديثة لا يمكن أن
تنهض ما لم تُرسَّخ فيها مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص، وما لم يُصبح معيار الكفاءة
والنزاهة هو الأساس في تولي المناصب وإدارة مؤسسات الدولة، بعيداً عن أي اعتبارات
حزبية أو طائفية أو مناطقية.
إن سياسة المحاصصة السياسية
المقيتة المبنية على أساس طائفي أو مكوناتي غير مجدية على الإطلاق، وقد أثبتت
فشلها عبر سنوات طويلة من التجربة، إذ لم تؤدِّ إلا إلى إضعاف مؤسسات الدولة،
وتمزيق القرار الإداري، وتكريس الانقسام، وتعميق الأزمات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية. كما ساهمت في خلق بيئة من الترهل الإداري والفساد وضعف الأداء، مما
انعكس بشكل مباشر على حياة المواطن اليومية، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية،
وتعطّل المشاريع التنموية، حتى أصبحت الدولة في كثير من الأحيان غير قادرة على
تلبية احتياجات شعبها بالشكل المطلوب.
ومن هنا، فإن الانتقال الحقيقي
إلى دولة المؤسسات يتطلب إصلاحاً شاملاً في بنية الدولة وآلية إدارة الحكم، يقوم
على اعتماد الكفاءات الوطنية الحقيقية، وتقديم أصحاب الخبرة والنزاهة على غيرهم،
وإبعاد النفوذ السياسي عن مؤسسات الدولة. كما يتطلب تعزيز الشفافية، وتفعيل مبدأ
المحاسبة، وإرساء قواعد صارمة للرقابة، وبناء جهاز إداري مهني مستقل يعمل وفق
القانون والدستور، لا وفق التوجيهات الحزبية أو الضغوط الخارجية.
ويأتي الشباب في مقدمة هذا
المشروع الوطني، فهم القوة الحية في المجتمع، والثروة الحقيقية التي لا تُقدّر
بثمن، وركيزة المستقبل وأساس النهضة. إن تمكين الشباب ومنحهم الفرص العادلة في
التعليم والعمل والمشاركة في صنع القرار هو استثمار حقيقي في مستقبل الوطن، لما
يمتلكونه من طاقة كبيرة، وأفكار حديثة، وقدرة على التغيير والإبداع، ورغبة صادقة
في بناء دولة قوية وعادلة.
إن الاستمرار على النهج الحالي
ستكون تداعياته سلبية وخطيرة على البلاد والعباد، إذ سيؤدي إلى مزيد من التدهور في
مؤسسات الدولة، وتفاقم الأزمات، وتعميق حالة عدم الاستقرار، وإضعاف ثقة المواطن
بالدولة ومؤسساتها، مما يهدد مسار التنمية والاستقرار على المدى البعيد.
إن مستقبل العراق لا يمكن أن
يُبنى إلا على أسس صحيحة، قوامها دولة المؤسسات، واحترام القانون، وتقديم الكفاءة،
وإبعاد الفساد والمحاصصة، والإيمان بأن الوطن أكبر من الجميع، وأن الإصلاح الحقيقي
يبدأ من إرادة صادقة وشجاعة سياسية حقيقية تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.
.jpg&w=3840&q=75)


