ليس من المفاجئ أن نكتشف، وبعد 23 سنة من تغيير النظام العراقي، حجم ملفات الفساد المالي والإداري الذي يمارسه بعض، أو لنقل غالبية النواب والوزراء، رجالاً ونساء، لسرقة أموال العراق وبشكل مفضوح. لكن المفاجئ والصادم هو أن نصحو من غيبوبتنا لنكتشف، ولكثرة أحاديث أبطال ملفات الفساد، بثورة يقودها الفاسدون ضد الفساد، مطالبين بمحاسبة سراق المال العام، حتى صرنا نتيقن بأن الشعب هو الفاسد.
ذات مرة طالبت جهة نزيهة بالتقليل من امتيازات أعضاء مجلس النواب، ممثلي الشعب، فخرج علينا نائب من خلال إحدى الفضائيات وهو يشتم الشعب ويقول: "شيريدون منا.. نديح بالشوارع؟"، ويعني نتشرد في الشوارع! ونائب آخر اعترف علانية، ومن خلال الفضائيات، بأنه تقاضى رشوة تبلغ مليوني دولار. أتذكر كان يضحك ساخراً من القضاء والشعب، ولم تتم مساءلته، بل بقي ينمي دخله (المشروع) ونفوذه حتى اليوم. وعندما سألت أحد القضاة عن سبب عدم محاسبته باعتبار أن الاعتراف سيد الأدلة، أجاب قائلاً: "لم يحرك أحد دعوى ضده". قلت: وماذا عن الادعاء العام الذي يفترض بأنه يمثل الشعب؟ ابتسم القاضي وقال: "هذا بالأفلام المصرية فقط".
اليوم تتكشف ملفات فساد بملايين ومليارات الدولارات، وقبلها تكشفت سرقة القرن، بطلها ذهب للحج مؤخراً بطائرته الخاصة ليستغفر ربه عما سرقه. وراهناً الأدلة تفضح ملفات سرقات وكيل وزارة النفط التي رائحتها أزكمت الأنوف. اعترافات تكشف التخادمات التي بينهم في عمليات سرقات مهولة، نائب يعترف بأنه باع مطبعة لوزير بـ100 مليون دولار، دفعت من أموال الوزارة طبعاً، مع أن سعرها قد لا يتجاوز 5 ملايين دولار. هذه عملية بسيطة ربحها 95 مليون دولار.. وهلم جراً. لكن لا القضاء يتحرك، والجميع يطالب رئيس الوزراء علي الزيدي بمحاسبة الفاسدين الذين تراكمت ملفاتهم حتى وصلت حد التخمة، ولسان حاله يقول: "أنا رئيس حكومة وليس مأمور مركز شرطة". وهذه الملفات يجب أن ينظر ويبت فيها القضاء وليس رئيس الحكومة.
بعد كل هذا وذاك، علينا أن نعتذر للسادة النواب والوزراء ورؤساء الكتل السياسية الذين يشقون ويتعبون من أجل مصالح البلد، ونزيح عن كاهلهم تهمة الفساد، ونعترف لهم بأنه بالفعل الشعب هو المذنب، هو الفاسد لأنه انتخبكم وأعاد تدويركم بالرغم من أنه، الشعب، يشتمكم ليل نهار ويعرف جرائمكم.



