في مشهد مؤلم يعيد إلى الأذهان سنوات الحرب المريرة، استيقظت مدينة حلب في السابع من كانون الثاني 2026 على أصوات القذائف والانفجارات، حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين قوات الجيش السوري وقوات الأمن الداخلي الكوردية (الأسايش) في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية.
هذه المواجهات، التي وصفها المرصد السوري لحقوق الإنسان بأنها "من أعنف موجات الرعب"، تطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل التعايش في سوريا ما بعد الأسد، وعن الثمن الذي يدفعه المدنيون دائماً في صراعات السلطة.
جذور الأزمة.. اتفاق تعطّل قبل أن يبدأ
في اذار 2025، وقّعت الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية اتفاقاً يقضي بدمج القوات الكوردية في مؤسسات الدولة، وهو اتفاق بدا واعداً لإنهاء حالة الانقسام التي طبعت الجغرافية السورية منذ 2011. لكن الأشهر التالية كشفت عن هوّة واسعة بين النوايا المُعلنة والقدرة على التنفيذ. كل طرف اتهم الآخر بانتهاك الاتفاق، وتحولت المناطق الحدودية الداخلية إلى ساحات لمناوشات متقطعة في دير حافر ومنبج والخفسة.
المطالبة الحكومية بانسحاب المقاتلين الكورد من الأحياء التي سيطروا عليها منذ بدايات الحرب قوبلت برفض قاطع من المجالس الكوردية المحلية التي اعتبرتها "استسلاماً" مرفوضاً. هنا يكمن جوهر المعضلة: كيف يمكن التوفيق بين مشروعية الدولة المركزية في بسط سيادتها، وحق مجتمعات محلية في الحفاظ على أمنها وهويتها بعد سنوات من الإدارة الذاتية؟.
أيام الرعب.. ماذا حدث في حلب؟
ما بين السابع والعاشر من كانون الثاني، شهدت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية هجمات مشتركة بالدبابات والمدفعية والطائرات المسيّرة. أعلنت الحكومة السورية هذه المناطق "أهدافاً عسكرية مشروعة"، ونشرت خرائط للمواقع التي تنوي استهدافها، داعية المدنيين إلى المغادرة. في المقابل، تحدثت قوات سوريا الديمقراطية عن "حملة دموية منظمة" تستهدف المدنيين عبر "الحصار والقصف العشوائي والتجويع".
الأرقام تتحدث بوضوح: أكثر من 150 ألف نازح، ما لا يقل عن 23 قتيلاً، ومئات الجرحى. توقفت 3 مستشفيات رئيسية عن العمل، وأُغلق مطار حلب الدولي. استهداف مستشفى عثمان في الشيخ مقصود، الذي أسفر عن مقتل 8 مدنيين، أثار موجة استنكار دولية، خاصة بعد أن كشف مسؤول كنسي كبير أن المباني المستهدفة كانت ملكية كنسية تؤوي 40 عائلة مسيحية، وليست مواقع عسكرية.
أصوات منسية.. المدنيون في قلب العاصفة
"فررنا من الاشتباكات ولا نعرف إلى أين نذهب. أربعة عشر عاماً من الحرب، أعتقد أن هذا يكفي"، هكذا قال أحمد، وهو يحمل ابنه على ظهره بحثاً عن ملاذ آمن. قصته تختصر مأساة ملايين السوريين الذين وجدوا أنفسهم مجدداً في مهب الريح.
عمار راجي، أب لستة أطفال، غادر مع عائلته قسراً وهو يتساءل: "أخشى ألا نعود". هذه الشهادات تذكّرنا بأن وراء كل رقم في إحصاءات النزوح إنساناً له أحلام ومخاوف وحياة تتمزق.
اللافت أن كثيراً من نازحي الشيخ مقصود هم أصلاً من منطقة عفرين، الذين نزحوا للمرة الأولى عام 2018 حين سيطرت القوات التركية والفصائل الموالية لها على مناطقهم. يعيش هؤلاء الآن نزوحاً مزدوجاً، في دورة لا تنتهي من التهجير.
تساؤلات مشروعة حول السلوك العسكري
وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان ومنظمات حقوقية سورية متعددة، من بينها مركز العدالة والمساءلة السوري و"سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، ما وصفوه بـ"انتهاكات جسيمة" و"أعمال قد ترقى إلى جرائم حرب". القصف المكثف على مناطق سكنية مكتظة، ورفض السماح بإجلاء الجرحى، والادعاءات بإعدام موظفين في مستشفى عثمان ميدانياً عند دخول القوات الحكومية، كلها تثير قلقاً عميقاً حول مدى احترام القانون الإنساني الدولي.
أنطوان مخللاتي، أحد كبار مسؤولي الكنيسة الملكية اليونانية الكاثوليكية في حلب، نفى أن تكون المباني المستهدفة مواقع عسكرية، مؤكداً أنها ملكيات كنسية تؤوي عائلات مدنية مسيحية. هذه الشهادة تضع علامات استفهام كبيرة حول دقة المعلومات الاستخباراتية التي بُنيت عليها العمليات العسكرية.
ذاكرة لا تُمحى.. دور الكورد في هزيمة داعش
لا يمكن قراءة الأزمة الراهنة بمعزل عن السياق التاريخي. قوات سوريا الديمقراطية، بقيادتها الكوردية، كانت الشريك الأساسي للتحالف الدولي في الحرب على تنظيم داعش. من كوباني عام 2014 إلى الرقة عام 2017 وصولاً إلى الباغوز عام 2019، قدّم المقاتلون الكورد تضحيات جسيمة لهزيمة التنظيم الإرهابي الأكثر وحشية في التاريخ الحديث.
تشير التقارير إلى سقوط 11 ألف مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية في المعارك ضد داعش. هؤلاء لم يدافعوا عن مناطقهم فحسب، بل أنقذوا الإيزيديين من الإبادة الجماعية في العراق، وحرروا مدناً بأكملها من قبضة التنظيم. هذا الإرث يمنح المجتمعات الكوردية شرعية أخلاقية لا يمكن تجاهلها في أي ترتيبات مستقبلية.
تضامن عابر للطوائف
في مشهد لافت، خرج عشرات من أبناء الطائفة الدرزية في السويداء في وقفة تضامنية مع سكان الشيخ مقصود والأشرفية، رافعين الأعلام الكوردية وأعلام قوات سوريا الديمقراطية. هذا التضامن بين مكونين عانا من الاضطهاد والتهميش يحمل دلالة عميقة: الخوف من المستقبل يجمع من فرّقتهم الجغرافية.
في الوقت ذاته، خرجت تظاهرات حاشدة في ديار بكر ومدن كوردية أخرى في تركيا، رفعت لافتات تقول: "الدفاع عن روجآفا يعني الدفاع عن الإنسانية". كما شهدت عواصم أوروبية متعددة، من برلين إلى باريس وأثينا، مظاهرات للجالية الكوردية تندد بالعمليات العسكرية.
الزعيم مسعود بارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، أعرب عن قلقه العميق من "الاستهداف القائم على أساس عرقي"، بينما عبّر بافل طالباني، زعيم الاتحاد الوطني الكوردستاني، عن مخاوفه الجدية من تطورات حلب.
كما ادان خمسة عشر حزباً كوردستانياً اثر اجتماع تم عقده في مقر الحزب القومي الديمقراطي الكوردستاني في أربيل الهجمات والممارسات التي قامت بها قوات الحكومة السورية، واصفين ما جرى بأنه يرقى الى نوع من الإبادة الجماعية للمكون الكوردي في مناطق الشيخ منصور والاشرفية.
الوساطة الأميركية.. حدود التأثير
لعبت الولايات المتحدة دور الوسيط بين الطرفين، ونجحت في التوصل إلى وقف لإطلاق النار وترتيب انسحاب المقاتلين الكورد من حلب في الحادي عشر من كانون الثاني. لكن هذا النجاح التكتيكي يخفي إشكالية أعمق: واشنطن تجد نفسها حليفة لجميع الأطراف المتصارعة، من الحكومة السورية إلى قوات سوريا الديمقراطية إلى تركيا.
المبعوث الأميركي توم باراك دعا إلى "أقصى درجات ضبط النفس"، مؤكداً أن "مستقبل حلب، وسوريا ككل، يعود لشعبها ويجب أن يُصاغ بالوسائل السلمية لا بالعنف". لكن الواقع على الأرض يشير إلى أن القضايا الجوهرية لا تزال عالقة، وأن وقف إطلاق النار ليس سوى تأجيل للمواجهة المقبلة.
كما أشار روب غايست بينفولد، المحاضر في الأمن الدولي بجامعة كينغز كوليدج لندن: "نعم، لدينا وقف مؤقت لإطلاق النار، وهذا يُحسّن حياة الجميع، لكنه يعني أننا ربما صرنا أبعد عن التوصل إلى اتفاق شامل".
إشكالية الدمج.. تعقيدات على الأرض
مسألة دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري تواجه عقبات جوهرية تتجاوز الخلافات السياسية. المحلل السياسي مروان بشارة يطرح سؤالاً مشروعاً: "ماذا ستفعلون بآلاف المقاتلات اللواتي أصبحن جزءاً لا يتجزأ من القوات الكوردية؟ هل سينضممن إلى الجيش السوري؟ وكيف سيعمل ذلك؟".
البنية العقائدية والتنظيمية لقوات سوريا الديمقراطية، بتركيزها على اللامركزية والمشاركة النسائية والتعددية الإثنية، تختلف جذرياً عن هيكل الجيش المركزي التقليدي. الدمج الحقيقي يتطلب أكثر من قرار سياسي، إنه يحتاج إلى إعادة تصور لشكل الدولة السورية ذاتها.
التهديد التركي.. العامل الخفي
في خلفية المشهد، يلوح التهديد التركي المتواصل. أنقرة تصنّف قوات سوريا الديمقراطية منظمة إرهابية بسبب ارتباطها بحزب العمال الكوردستاني وفقاً للرواية التركية، وقد نفّذت عمليتين عسكريتين واسعتين في شمال سوريا عامي 2018 و2019. معهد دراسة الحرب قيّم أن "الخطاب التركي المستمر بالغزو يهدد قوات سوريا الديمقراطية بشكل مباشر، ويشجع الحكومة السورية على زيادة الضغط السياسي والعسكري عليها".
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان علّق على أحداث حلب بقوله: "حان وقت الوحدة الوطنية. على قوات سوريا الديمقراطية أن تقوم بدورها". هذا التصريح يكشف عن رغبة تركية في رؤية القوات الكوردية تُفكك، وهو ما يفسّر جزئياً تصلب موقف دمشق.
نحو مستقبل مختلف
الأزمة الراهنة تضع سوريا أمام مفترق طرق حقيقي. الخيار العسكري، كما أثبتت أحداث يناير، لا ينتج سوى مزيد من الدمار والنزوح والمرارة. المقاربة الأمنية الصرفة تتجاهل حقيقة أساسية: المجتمعات الكوردية ليست "مشكلة أمنية" يجب حلها، بل شريك وطني يجب إشراكه.
التحدي الحقيقي أمام دمشق ليس "إخضاع" الكورد، بل بناء عقد اجتماعي جديد يعترف بالتعددية السورية ويحترمها. سوريا التي يتطلع إليها مواطنوها ليست دولة مركزية قمعية على غرار عهد الأسد، ولا فسيفساء من الإمارات المتناحرة، بل وطن يتسع للجميع دون إقصاء أو تهميش.
المجتمع الدولي، الذي استفاد من تضحيات الكورد في الحرب على الإرهاب، مطالب اليوم بأكثر من بيانات الإدانة. الضغط الحقيقي لضمان حقوق جميع المكونات السورية، ودعم مسار سياسي شامل، هو أضعف الإيمان تجاه شعب دفع ثمناً باهظاً في معركة لم تكن معركته وحده.
في نهاية المطاف، السؤال ليس ما إذا كان الكورد سينسحبون من هنا أو هناك، بل: أي سوريا نريد أن نبني؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت أحداث كانون الثاني 2026 محطة عابرة في مسار المصالحة الوطنية، أم فاتحة لجولة جديدة من الصراع الأهلي.
