لو أن الاصلاح سهل، لما تحولت
مسيرة حياة القائمين على إحداثه فواجهوا المصاعب ولما دفع اغلب المصلحين حياتهم او
واجهوا تحديات قاتلة بسببه.
إحداث الفساد وإدامته وانتشاره لم
يكن ليكون سهلاً لولا ضعف البنية ولولا وجود مصالح لا يمكن تصور بساطتها ولا تصور
بساطة معالجتها.
لا يحتاج النظام السليم الى دعاية
دفاع عن نفسه ولا جهد اثبات سلامته كاملة او بجزء يسير فيه من فساد، فالحكم على
سلامته متحصل من التفاعل بينه وبين رعاياه من الجمهور، ولا تفيد دعاية النظام
الفاسد في علاج فساده بل تغلفه وتؤخر اعلان تفسخه لحين معلوم مرتبط بتهرٍ يصيب
عصبه السلطوي المحكم.
الفساد والصلاح والافساد والاصلاح
ثنائيتان قديمتان بقدر الانسان، وتبلورهما في مصطلحين وبكل اللغات ولنفس تنوع
مدلولات الوجود في حدوثهما يعني حيوية قيامهما، وهما اخطر ما يمكن ان يكونا عليه
اذا ما اصابا جهاز الحكم، اقول كلاهما لان المصلحين هم في عيون وفهم الفاسدين والمفسدين
اعداء وتشن عليهم حرب يمكن ان تنجح في اهدافها لارتباط مصالح انتجه الخلل القيمي (راجعوا
فكرة مسرحية عدو الشعب للكاتب هنريك ابسن) وهي تبسط فكرة الصراع بين الرأي العلمي
التخصصي الصائب وبين عمى المصالح وان كان على حساب حياة الناس.
اعود لاذكّرَ بحقيقة لا ينفع معها
الصمت او الاعتقاد بخلاف الواقع، من ان الاصلاح معركة من معارك في حرب طويلة، قد
تبدو يسيرة بوجود صاحب قرار هو نفسه صالح ومصلح، لكن ذلك ليس كافياً ان كانت
المنظومة اقوى منه في ممارسة الفساد وتأسيس الافساد.
ان موظفاً او مكلفاً بخدمة عامة
اذا ما افسد في اجراء او قرار، فلا يصح القول ان ذلك حالة فردية وإن كانت فعلاً،
فهو قد اضر بكل المنظومة وان لم تظهر النتيجة مباشرة او بسرعة.
من اخطر معارك الصلاح والاصلاح ان
يكون متبني المبدأين مداناً بالفساد والافساد، فذلك يحدث ضرراً في الاعتقاد يطال
المصلحين والصالحين الحقيقيين.
ومن اخطر المعارك ايضاً، استقواء
الفاسد سواء بقوة النظام لتخادم بينهما او بالنظام نفسه ان كان الفاسد يشكل عماداً
من اعمدته.
لم يترك الفساد والافساد مكاناً
الا ودخله وتصارع فيه مع الفطرة والسلامة وصارعه علاج الاصلاح.
ان نضال شعوبنا ومنها شعب
كوردستان في الاصل وفي التفاصيل هو صراع مع فساد وإفساد السلطات الحاكمة وقواها
المؤيدة المتخادمة معها.
الفساد عموماً هو مرض موجه ضد
نقيضه الذي هو الصلاح، وصلاح النظام يكون بوضع مرجعية تحاكم وقوانين عادلة، فإذا
ما تم وضع وممارسة خلاف ذلك، او وضع مرجعية صلاح تحاكمي ومخالفتها تعمداً صريحاً فذلك
هو الفساد والإفساد.
ان استخدام اموال الدولة في شراء
واستخدام السلاح ضد فرد او جماعة من الدولة او فرد او جماعة خارج الدولة وفق فهم وحيازة
مصالح خاصة مخالفة للعدالة فساد.
ان زراعة النظام بمرجعيات متعددة
ومراكز قوى خارج مركز مرجعية تنظر وتقيم وتحاسب وفق شروط عادلة، فساد.
ان ابرز عناصر تخلف او جهل او عدم
جدية او راكبي فكرة الاصلاح عدم احاطتهم بوسائل الاصلاح التي يجب ان تتفوق على
وسائل الافساد، اي ان قوى الصلاح والاصلاح ليست كلامية وان صدرت من صالح او مصلح،
فتلك رومانسية او وهم، بل مثل الصلاح والاصلاح مثل الطب والدواء والطبيب الحاذق
الذي يجري علاجاً للشفاء.
ان كل متعلق بحياة الافراد يجب ان
تخضع لفحص ادائي خاصة تلك التي تصدر من اجهزة الحكم، وبخلافه فالفساد والافساد
ينتشر الى الحد الذي لا ينفع معه علاج.
ان اصلاح العملية التعليمية والتربوية
تبدأ من تقييم مستوى المعلم والاستاذ، مستوى تعليمه وتقييم مسؤوليته وما يجب ان
يكون عليه دخله ووضع المبنى التعليمي وتجهيزاته والتخطيط لمسيرة مترابطة في حلقات
مراحل التعلم.
نفس الامر ينسحب على كل الاعمال
التي لها علاقة بمصالح وخدمات المجتمع.
لن تتمكن اجهزة الدولة والتي هي
اولى محطات المراجعة لمعرفة صلاحها من فسادها وادراك حجم سوس الفساد وكمية التآكل
او التحول السيء ووضع برامج لا دعائية ولا بمدلولات سياسية لتلميع او تقديم فرد او
طرف، واشغال الرأي العام بمشاهد مصورة هي اقرب للتمثيل، مع ان فن التمثيل رسالة
نقية ومتفق عليها انها ليست حقيقية بل توجيهية.
برامج وسياسات تكون متمكنة من
تقريب النص الدستوري وجعل المنبثق عنه من عمل على مقاسات الاساس.
ان مقدرات المجتمع من مأكل وملبس
ومدخل مالي، وفاتورة انفاق تظهر مدى التفاوت او التعادل او التفوق بين المتطلبات والوارد،
ومنع جوانب تنشط فيها دوافع الجريمة والتنبيه وتعديل العقوبة وسريانها واخضاع
الفعل الرسمي لمعايير واضحة ضابطة واقعية تتفوق فيه على مضاد الصلاح والاصلاح من
فساد وافساد هي التي تحسم فوز الأول على الثاني والا فالثاني هو المنتصر.
