رووداو ديجيتال
بعد 10 أيام، يتوجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الدورة الجديدة للبرلمان العراقي، الدورة السادسة، وسط تحديات تواجه الحكومة المقبلة، من قلة ثقة الناس بالتصويت وصولاً إلى قدرة البرلمان على سن قوانين فعالة للشعب، وعلى المستوى الإقليمي.
تجري العملية في وقت تطرق فيه المفاوضات السياسية والتغييرات أبواب العراق، وأهمها الحفاظ على "التوازن" بين إيران وأميركا.
نظم المجلس الأطلسي حلقة نقاش بعنوان "ماذا نتوقع من الانتخابات العراقية القادمة؟"، واعتبر الباحثون في الحلقة تشكيل الحكومة القادمة والمفاوضات "عملية صعبة وطويلة"، بالإضافة إلى هيمنة الجماعات المسلحة، وتعيين رئيس الوزراء والصراع الشيعي على هذا المنصب وصولاً إلى حق كل أمة ومطالبها في الحكومة القادمة.
"عدم وجود رئيس وزراء حسب رغبة الشعب"
مقارنة بالدورات الانتخابية للبرلمان العراقي، تتضاءل مشاركة الناس باستمرار، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة 35%، وقد أدى خوف القادة العراقيين من قلة مشاركة الناس إلى مطالبتهم اليومية بمشاركة فعالة للناس على الشاشات وفي الحملات الانتخابية.
حيث صرّح سجاد سالم، الباحث في مؤسسة سينجري، في حلقة نقاش المجلس الأطلسي: "ربما قلة الأعمال التي قامت بها الحكومة من أجل الشعب في السنوات الماضية أدت إلى برود الناس في المشاركة".
على عكس انتخابات معظم الدول، لا تظهر المعارضة والسلطة بعد النتائج، فمعظم الأحزاب لها قدم في السلطة وقدم خارجها، وهذا يبرز أكثر في الأوساط الشيعية، لأنه بعد الانتخابات، تتحد التحالفات والقوائم المختلفة من أجل الحصول على جزء من "الكعكة" التي تخرج من نتائج الانتخابات.
يقول سجاد سالم: "حتى لا توجد معارضة واضحة ليقول الناس إنني سأعتمد عليها في الانتخابات القادمة بعد أربع سنوات أخرى".
يُفسر سخط الناس من ممثليهم المنتخبين، خاصة في مناطق العراق، على أنه "مشكلة"، وتقول السياسية والباحثة ميسون الدملوجي إن "هذه مشكلة كبيرة، لأن الناس يشعرون أن من ينتخبونه لا يفعل لهم شيئاً".
في العراق، لم يتم تكليف رئيس أكبر كتلة برلمانية بتشكيل الحكومة في أي من الدورات الخمس الماضية، بل يتم تكليف رئيس الوزراء على أساس أكبر تحالف مشكل داخل البرلمان بعد الانتخابات.
ففي الدورة الثالثة، على الرغم من أن ائتلاف أياد علاوي حصل على أكبر عدد من المقاعد، إلا أن نوري المالكي تخطى هذا الأساس بتشكيل ائتلاف دولة القانون وتولى منصب رئيس الوزراء.
تقول ميسون الدملوجي إن ما يحدث "عامل محبط، فالتحالف العراقي لم يتمكن من جني ما حصده".
وفقاً لميسون، هذا الرأي لدى الناخبين نوع من النظرة البارزة في بغداد، وتقول: "في بغداد، أعتقد أن الشباب لا يذهبون للتصويت".
ارتفاع نسبة التصويت بالمناطق المتنازع عليها
تركز الأحزاب الكوردستانية، خاصة الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، اللذان يمتلكان معاً 49 مقعداً في الدورة الثانية ويتنافسان بأكثر من 350 مرشحاً في 7 محافظات مختلفة، في حملاتهم الجماهيرية خلال الشهر الماضي على حقوق الشعب الكوردي، مطالبين ناخبيهم بمشاركة فعالة في الانتخابات ليتمكنوا من الذهاب إلى بغداد بثقل وقوة.
يعتقد الباحث سجاد سالم أن "الوضع في إقليم كوردستان يختلف عن مناطق العراق الأخرى، ومن المتوقع أن تكون نسبة التصويت في إقليم كوردستان أعلى، وحتى في بعض المحافظات الأخرى مثل الأنبار ونينوى وكركوك، ستكون نسبة التصويت أعلى بالمثل".
تتفق ميسون الدملوجي مع سجاد سالم، مبينة أن "الشباب في نينوى على سبيل المثال يريدون التغيير، ولا يريدون بأي شكل من الأشكال العودة إلى مرحلة ما قبل مجيء داعش في 2014".
يدخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني المنافسة الانتخابية برفع "الشعارات الوطنية"، هذا ما يقوله يريفان سعيد، مدير مبادرة السلام الكوردية العالمية في الجامعة الأميركية بواشنطن، وهو أيضاً باحث في المجلس الأطلسي، ووفقاً لهذا الباحث الكوردي: "عندما يتعلق الأمر بالانتخابات الوطنية في العراق، فالوضع مختلف، فالحزب الديمقراطي الكوردستاني يقوم بحملته بشكل وطني للغاية، ويريد الحزب الوصول إلى مليون ناخب، ويعتمد في حملاته على المشاريع الكبيرة التي تم تنفيذها".
قام بعض مرشحي الاتحاد الوطني الكوردستاني بتعليق ملصقاتهم ولوحاتهم الإعلانية بالزي الكوردي، ويعتبر يريوان سعيد ذلك أيضاً شعاراً وطنياً، مردفاً أن "الاتحاد الوطني الكوردستاني أيضاً يدخل المنافسة بهذه الشعارات".
تتجه أنظار الأحزاب الكوردستانية والشعب أيضاً نحو المناطق المتنازع عليها بشكل أكبر، ووفقاً ليريوان سعيد، ستكون نسبة مشاركة الناس، على عكس العديد من المناطق الأخرى، أعلى في كركوك ونينوى، لأن جميع المكونات تقوم بحملاتها هناك والمنافسة أقوى.
يؤكد قادة إقليم كوردستان في حملاتهم الانتخابية بشكل كبير على تطبيق الدستور، فالرئيس مسعود بارزاني، ونواب رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وبافل طالباني، في مناسبات وحملات مختلفة يطالبون بتطبيق الدستور.
يرى يريوان سعيد أن "معظم الناخبين الكورد يرون أن الممثلين الذين يذهبون إلى بغداد يعملون لأنفسهم أكثر من تمثيل مصالح الكورد، فهم لا يجلبون الرواتب مع الميزانية وحصة كوردستان في وقتها".
بحسب يريوان سعيد، ستكون هناك نقطة لافتة للنظر في هذه الانتخابات، وهي وضع المعارضة، في وقت يواجه فيه ثلاثة رؤساء أحزاب، رئيس حركة الجيل الجديد، وجبهة الشعب، والتحالف الديمقراطي، السجن.
من يمكنه الفوز بالرهان داخل الإطار التنسيقي؟
منذ عام 2005، تم تحديد منصب رئيس الوزراء كحصة للشيعة، بينما تم منح الكورد رئاسة الجمهورية، والسنة رئاسة البرلمان، لكن من المتوقع أن تشتد الصراعات على منصب رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، لأن جميع المناصب المذكورة تتطلب موافقة ومفاوضات وتوافق.
لانتخاب رئيس الوزراء، صرح محمود محمد، المتحدث باسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لرووداو اليوم الخميس أن "أي طرف يؤيد تطبيق الدستور والديمقراطية، يمكننا إجراء محادثات معه لتشكيل الحكومة".
يبدو أن انتخاب رئيس الوزراء المقبل سيصبح محور مفاوضات طويلة الأمد بين مكونات وأطراف الحكومة القادمة، حيث يقول الباحث سجاد سالم إنه "من الصعب أن يستعيد رئيس الوزراء ثقة الإطار التنسيقي، لأن الأطراف الشيعية تخشى سلطة شخص واحد ولا تريد أن يسيطر شخص واحد من بينهم على كل شيء".
ويضيف: "سيسعى رئيس الوزراء بعد الانتخابات إلى التحالف مع أطراف أخرى لتجاوز الإطار التنسيقي، لكن من الصعب جداً أن يتمكن من فعل ذلك".
يتفق الباحث والخبير في الشأن العراقي عمر النداوي مع سجاد سالم قائلاً إن "النظام الذي أوجد مجموعة من القادة داخل الشيعة لا يسمح بتعيين شخص للمرة الثانية كرئيس للوزراء".
يتناقش السنّة والكورد والشيعة حول رئيس الوزراء، ووفقاً ليريوان سعيد "تشكيل الحكومة القادمة سيكون معقداً".
أصبح قلة التغيير في النظام السياسي منذ بدء الحملة الانتخابية حديث المراكز، حيث تعتقد ميسون الدملوجي أن "تغييرات جوهرية لن تحدث بعد الانتخابات، وسيبقى الإطار التنسيقي وشخصياته، وسيكون هناك فقط بعض التغييرات في مقاعد البرلمان".
محاولات تعطيل البرلمان بثلثي الأصوات
يمتلك الإطار التنسيقي في البرلمان العراقي 140 مقعداً، وبعد إجراء الانتخابات واعتماد النتائج النهائية، تبدأ المدد الدستورية من الجلسة الأولى للبرلمان الجديد وصولاً إلى تكليف رئيس الوزراء، ففي غضون 15 يوماً من اعتماد النتائج، يدعو الرئيس الحالي لجلسة البرلمان الجديد، ويترأس الجلسة الأولى للدورة الجديدة للبرلمان أقدم الأعضاء سناً، ويجب أن يتم فيها انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه بأغلبية أصوات النواب.
لكن في الواقع، يتوقف انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه على المفاوضات السياسية، تترك الأحزاب الجلسة الأولى مفتوحة كما حدث في عام 2022، وبعد أن يتم حسم مفاوضات انتخاب رئيس البرلمان وانتخاب رئيس البرلمان ونائبيه، يحين وقت انتخاب رئيس الجمهورية، يتطلب انتخاب رئيس الجمهورية ثلثي أصوات أعضاء البرلمان، وفي هذا المنصب أيضاً تشتد المنافسة والمفاوضات والمباحثات.
يقول الباحث يريوان سعيد في هذا الصدد إن "الأطراف التي تمثل الجماعات المسلحة تدخل في الجدل وتسعى للوصول إلى ثلثي الأصوات المعطلة، لكي يختاروا من يرضيهم".
كان تزايد هيمنة الجماعات المسلحة وتمثيلها جزءاً من حوار المجلس الأطلسي، حيث يعتقد عمر النداوي أن "دولة القانون وبدر والعصائب وغيرهم يوسعون سيطرتهم في البرلمان العراقي، لأنهم ضاعفوا أصواتهم تقريباً بين عامي 2021 و 2023 في عدد من المحافظات، لذلك سيزداد تمثيلهم، وهذا يفتح لهم الطريق لتمرير القوانين والاعتماد بشكل أقل على الاتفاق مع شركائهم، لذلك سيزيدون هيمنتهم في الدائرة السياسية".
لكن سجاد سالم لديه رأي آخر، فهو يرى أن الأهم هو مهمة الحكومة العراقية في نزع سلاح الجماعات، وهي مطلب أميركي أساسي، حيث يقول سجاد سالم إن "سياسة الرئيس ترمب واضحة، يقول سأكون صديقاً للعراق إذا كان ذلك يخدم المصالح الاقتصادية الأميركية، لذلك سيكون لسياسة أميركا تأثير على أداء وعمل الحكومة القادمة".
اختارت الحكومة العراقية الحالية، التي لم يتبق لها سوى أسبوعين وستصبح حكومة تصريف أعمال في عمرها القانوني، سياسة "الحياد" بين أميركا وإيران، حيث يقول سجاد سالم في هذا الصدد إن "أهم شيء هو ماذا ستكون نتيجة المفاوضات بين إيران وأميركا، لأن تأثيرها سيظهر على العراق".
ويوضح أن "مرحلة ما بعد الانتخابات لن تشهد توترات كبيرة، لكن ربما نرى بعض حوادث الهجوم على البرلمانيين والأحزاب، وهذا أمر طبيعي للعملية السياسية في العراق".
يعتقد أن النظام الذي وُضع في العراق، والذي يسمح لـ 30 مليون شخص في سن التصويت و21 مليون منهم لديهم حق التصويت، هو نوع من "المصمم" لأن "الأحزاب في الواقع، قللت عدد الناخبين بإجراءاتها، وهدفها هو البقاء".
يصوت العراقيون وأهالي إقليم كوردستان في الدورة السادسة بهدف التغيير، لكن هذه التغييرات ستقع في أيدي حكومة ائتلافية من المتوقع أن تشهد جولات عديدة من المفاوضات والاجتماعات العلنية والسرية.
وبعد الانتخابات، ستظهر تحديات وتعقيدات تقسيم القوائم في هذه الانتخابات بشكل أوضح وأكثر بروزاً بالنسبة للشيعة والسنة والكورد، لأن كل منصب يتطلب العديد من الطرق والمفاوضات والاجتماعات.
