بعد انتهاء زيارة الرئيس السوري المؤقّت أحمد الشرع إلى واشنطن، التي فتح خلالها البيت الأبيض أحد أبوابه الجانبية له، ليستقبله الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي في أجواء غير رسمية، أظهرتها الصور الملتقطة، أعلنت السفارة الأميركية في دمشق، في تدوينة على منصّة إكس، انضمام دمشق إلى التحالف الدولي لتنظيم داعش، لتصبح رسميّاً، وفق تعبير السفارة، الشريك رقم 90 الذي انضمّ إلى التحالف الدولي.
في الواقع لا يقلّل تخفيض مستوى المراسم الرسمية لاستقبال الشرع من أهمية هذه الزيارة وهذا اللقاء بالرئيس الأميركي، ليس لأنّها الأولى لرئيسٍ سوري منذ استقلال هذه البلاد فحسب، بل لأنّ الشرع تحوّل من نزيلٍ في سجون الأميركيين، ثمّ مطلوباً لها ومصنّفاً كإرهابي، إلى ضيفٍ على قصرهم الرئاسي، قبل أن تضع أميركا كلّ ثقلها لتمرير القرار 2799 في مجلس الأمن الذي أزال الشرع نفسه ووزير داخليته أنس خطّاب، من قائمة الإرهاب.
كما يبدو واضحاً أنّ الشرع استطاع، بدعمٍ من رعاته الإقليميين، إقناع أميركا والغرب بأنّه قد تجاوز ماضيه الجهادي -الذي وصفه ترمب بالصعب- وتخلّى عن ايديولوجيته المتطرّفة وأصبح مؤهّلاً لكي يُراهَنَ عليه لقيادة دولة محورية في إحدى أكثر المناطق توتّراً وتعقيداً في معادلة الصراعات الدولية والإقليمية، وأن يُغيّر جذرياً التموضع السياسي والاستراتيجي التاريخي لهذه الدولة منذ نشأتها.
لكنّ هذا التخفيض لمستوى المراسم الرسمية يقول للشرع أيضاً إنّ هناك طريقاً طويلاً عليه أن يقطعه قبل أن ينتظره ترمب عند مدخل الباب الأمامي لبيته الأبيض. وهو الطريق الذي ترسم مساره بنود القرار الدولي 2799 الصادر تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة والتي هي في جوهرها شروط أميركية.
ليس هناك أدنى شكّ في أنّ هذا اللقاء في المكتب البيضاوي يمثّل النجاح الأقصى للسلطة السورية الوليدة على مستوى السياسة الخارجية، النجاح الذي لم يكن ليتحقّق دون الأخذ بالاعتبار محدّدين استراتيجيين في غاية الأهمية بالنسبة إلى أميركا وحلفائها الدوليين والإقليميين في المنطقة.
يتمثّل المحدّد الأوّل في إخراج سوريا من موقعها واصطفافها التاريخي مع محور الشرق دولياً (الاتحاد السوفيتي، روسيا لاحقاً)، وما يسمى بمحور الممانعة إقليمياً بقيادة إيران، وضمّها إلى محور الغرب دولياً وحلفائه الإقليميين من دول الخليج وتركيا. هذا التحوّل الاستراتيجي في موقع سوريا، التي لعبت تاريخيّاً أدواراً إقليمية محورية، يُعدّ مكسباً كبيراً لأميركا ورؤيتها لمستقبل الشرق الأوسط، ولن تفرّط فيه تحت أيّ ظرف.
أمّا المحدّد الثاني، فيتّصل بالأوّل ويتمثّل في تحوّل العلاقة بين سوريا وجارتها اللدود إسرائيل. فبعد عقود من العداء الذي تخلّلته حروب عديدة، تجري التحضيرات لعقد اتّفاقية أمنية بين البلدين برعاية أميركية، سوف تمهّد لاتفاقية سلام دائمة حالما تحقّقت شروطها. والمتابع لخطاب قادة سوريا الجدد سيلاحظ حجم الرغبة في التوافق مع إسرائيل إلى حدّ أنّ رجل الأعمال الأميركي جوناثان باس كشف لصحيفة "جويش جورنال"، في شهر مايو المنصرم، أنّ الشرع أكّد له أنّ " لدى بلاده وإسرائيل أعداء مشتركين". ولا يُخفى أنّ العدوّ المشترك الذي يُشير إليه رئيس السلطة الموقّتة هو ما تبقّى من (محور الممانعة)، وعلى رأسه إيران. وهذه هي الرسالة التي تعرف عنوانها بدقّة لتقول للمتلقّي الأميركي إنّ عدوّ سوريا في المنطقة هو عدوّها.
تعتقد النخبة المقرّرة في واشنطن أنّه ليس هناك منْ هو أفضل من الشرع لتحقيق هذا التحوّل في سوريا؛ فهو يُعبّر عن استعداده لأداء هذه المهمّة دون تحفّظ، بل وبتلهّف، وهو أسيرٌ لدى أميركا بماضيه الذي يبقى كالمقصلة التي تشدّ أميركا حبلها تحت طائلة التهديد الدائم بإرخائه.
لكن للسير في هذا المسار قُدماً، والعمل الجدّي لمكافحة الإرهاب، تحتاج سوريا إلى الاستقرار السياسي والأمني والنهوض الاقتصادي، الأمر الذي يعني رفع العقوبات الاقتصادية، ولكن أيضاً رعاية عملية سياسية تستجيب لمتطلّبات التوافق الداخلي، ولو في حدوده الدنيا. وتأتي مسألة قوات سوريا الديمقراطية، والإدارة الذاتية، والقضية الكوردية في سوريا في صلب متطلّبات هذا التوافق الذي من الصعب أن يتحقّق دون تطبيق اتفاقية العاشر من آذار بما يرضي الطرفين.
في الحقيقة، تمثّل دمشق كنزاً ثميناً للتحالف الدولي المناهض للإرهاب. فالهيئة التي وصل الشرع على رأسها إلى دمشق كانت لفترة من الزمن جزءاً من تنظيم داعش، قبل أن تنفصل عنه وتخاصمه، وهي تعرف بالتالي ليس فقط طريقة عمله وأساليب تحرّكه، بل وحواضنه الاجتماعية والكثير عن بنيته التنظيمية والمنتمين إليه. ومن هذا المنطلق، فإنّ دور دمشق في محاربة التنظيم يتكامل مع دور قوات سوريا الديمقراطية التي تحارب التنظيم منذ أكثر من عقدٍ من الزمن، ولا تزال تلاحق خلاياه وعناصره بجهدٍ عسكريٍّ واستخباريٍّ منسّق مع قوات التحالف الدولي، وهي بدورها تعرف الكثير عن التنظيم وتُجيد طرائق مواجهته ومكافحته، وأكثر حصانة من القوات الحكومية أمام احتمالات الاختراق الأمني من قبل التنظيم .
تشير المكالمة التي أجراها المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك، مع قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي بشأن مضمون لقاء ترمب الشرع إلى أنّ ملفّ العلاقة بين دمشق وقسد كان حاضراً بقوّة في اللقاء، ويُشير وصف عبدي لمكالمته مع برّاك بالممتازة وإشارته إلى تسريع عملية الدمج إلى أنّ ما قيل في واشنطن أمريكياً للشرع بشأن قسد لم يكن مزعجاً لعبدي.
وهذا ما يمكن أن يُستشفّ أيضاً من بيان الخارجية السورية بشأن اللقاء، والذي أشار إلى "اتّفاق الجانبين على المضي في تنفيذ اتّفاق العاشر من أذار"، وكذلك تصريح الشرع لصحيفة (واشنطن بوست)، الذي أكّد فيه على "ضرورة إشراف القوّت الأميركية على دمج قوّات سوريا الديمقراطية في أجهزة الأمن التابعة للدولة"، الأمر الذي يوحي بتخفيف التدخّل والضغط الإقليميين في هذا الملفّ. وبالتالي، قد نشهد بالفعل تسريعاً في إيقاع المفاوضات بين الطرفين وإضفاء المزيد من الجدّية عليها. وفق المنطق، هذا هو السبيل الذي ينبغي أن تسلكه الأمور، لكن لا يمكن إغفال مفاجآت السياسية التي تخالف أحياناً المنطق.
