حتى الآن، لم يتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب قراراً نهائياً بشأن المشاركة في حرب مع إيران من عدمها. لقد تم التفكير في الخيار العسكري وتقييمه، ولم يتبق سوى أن يقول "ابدأوا". لكنهم يرغبون في إعطاء فرصة للدبلوماسية والاتفاق حتى اللحظة الأخيرة. وفي آخر تصريح له من البيت الأبيض، قال دونالد ترمب: "ربما نشارك في الحرب، وربما لا نشارك. سأتخذ قراري في اللحظة الأخيرة بشأن ما سنفعله".
لا يرغب دونالد ترمب شخصياً في الدخول في الحرب، ويفضل من صميم قلبه حل هذه المشكلة عبر اتفاق. لهذا السبب، جرت في الأيام القليلة الماضية اتصالات مباشرة بين وزير الخارجية الإيراني وستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لدونالد ترمب لشؤون الشرق الأوسط. لاتزال أميركا تأمل في إمكانية التوصل إلى اتفاق. كما أجرى دونالد ترمب عدة اتصالات هاتفية مع قادة المنطقة، وكذلك مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليقوموا بإيصال رسائلهم إلى إيران وممارسة الضغط عليها للقبول بالاتفاق.
في حال عدم التوصل إلى اتفاق، ستشن أميركا في المرحلة الأولى هجوماً محدوداً على المواقع النووية الإيرانية، وخاصة منشأة فوردو النووية، باستخدام طائرات (بي 2) التي لديها القدرة على حمل قنابل بزنة 14 طناً. كما سيتم تحذير إيران من الرد على هذه الهجمات، أو أن تكون ردودها شبيهة بالرد على مقتل قاسم سليماني، أي ألا تسفر عن خسائر في الأرواح.
ما يمنع دونالد ترمب حتى الآن من اتخاذ هذه الخطوة بسرعة هو الخوف من توسع نطاق الحرب وتورط أميركا بشكل أكبر، ومشاركة جماعات وأطراف أخرى فيها. لذلك، يتأكدون من أن هجماتهم لن تجرهم إلى هذه المرحلة، وإن تم جرهم إليها، فهم على أتم الاستعداد.
في هذه المرحلة، لا ترغب أميركا في إسقاط الحكومة، ولا تريد أن تشغل نفسها ببناء إيران جديدة والتعامل مع تداعيات تلك الحرب وسقوط الحكومة، كما في نموذجي العراق وأفغانستان، اللذين عارضهما دونالد ترمب بنفسه، وقد تبين أن ضرر أميركا في هاتين الحربين كان أكبر من فائدتها، حيث كلفتا أميركا نفقات باهظة وألحقتا ضرراً سياسياً كبيراً بدونالد ترمب وحزبه على الصعيد الداخلي.
تنتظر أميركا وصول حاملة الطائرات "نيميتز" إلى الشرق الأوسط، والتي انطلقت قبل يومين، إلى جانب حاملة الطائرات "كارل فينسن". ستكون كلتاهما جاهزتين في المنطقة لتتمكنا من مواجهة التهديدات عند الضرورة، أو منع توسع الحرب بتوجيه ضربات مؤثرة وحاسمة.
في الأيام القليلة الماضية، أرسلت أميركا عدداً من الطائرات وطائرات تزويد بالوقود إلى المنطقة، وخاصة إلى أوروبا. كما بدأت بنقل بعض المعدات العسكرية غير الضرورية والخاصة من بعض القواعد في الشرق الأوسط لحمايتها من أي ضرر. جزء من هذه القرارات العسكرية يندرج ضمن سياسة "الردع" أي إبعاد شبح الحرب، وليس استخدام الطائرات في القتال والمبادرة بالهجوم.
توجد في الكونغرس وجهات نظر مختلفة، حيث تُطرح الآن مطالبات باستشارة الكونغرس أو الحصول على قراره للمشاركة في الحرب، وهو من صلاحيات الكونغرس. لكن وزارة العدل وإدارة دونالد ترمب تعتقدان أنهما تستطيعان في هذه المرحلة القيام بذلك دون موافقة الكونغرس، كما فعلتا في عام 2017 ضد سوريا وفي عام 2020 بعد مقتل قاسم سليماني، على أن يتم إعلام الكونغرس برسالة بعد الهجوم، أي في أقل من 48 ساعة.
سيعقد البيت الأبيض الأسبوع المقبل اجتماعاً خاصاً مغلقاً مع الكونغرس ومجلس الشيوخ. الاجتماع سيتناول احتمالية تورط أميركا في الحرب وتغيير الحكومة الإيرانية، وما يجب فعله، ومدى الاستعداد لذلك، وما هي الفوائد والأضرار بالنسبة لأميركا، وما إذا كان يجب اتخاذ هذه الخطوة أم لا. هذا الاجتماع يأتي بطلب من الكونغرس، وخاصة الديمقراطيين.
مع كل ذلك، فإن البيت الأبيض قد حسم أمره في هذه المرحلة بأنه سينهي قضية الملف النووي الإيراني، بقدر الإمكان عبر الخيار الدبلوماسي، وإذا اضطروا، فسيكون عبر خيار عسكري محدود ومصمم ومدروس. لأن إيقاف الحرب بهذا الشكل وترك الملف النووي الإيراني على حاله سيجعل إيران أقوى وسيخلق صداعاً أكبر لأميركا ومصالحها، وهو أمر سيتعين عليهم مواجهته عاجلاً أم آجلاً.
يوم الخميس، يجتمع وزير الخارجية البريطاني في البيت الأبيض مع وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي. ويوم الجمعة، يجتمع وزير الخارجية البريطاني ونظراؤه الأوروبيون مع وزير الخارجية الإيراني. تهدف الاجتماعات إلى التوصل لاتفاق ووقف الحرب.
بشكل عام، الرأي العام الأميركي لا يؤيد إشعال حرب، ولكن إذا شنت أميركا هجوماً محدوداً على إيران وردت إيران وألحقت الضرر بالأميركيين، فقد يحدث تغيير في هذه المواقف.
يستغل الديمقراطيون سياسات دونالد ترمب هذه تجاه المنطقة ويسعون للفوز على الجمهوريين في الانتخابات النصفية (Midterm elections)، أي الدورة القادمة للكونغرس، واستعادة الأغلبية. حينها يمكنهم خلق صداع كبير لإدارة ترمب، بدءاً من إغلاق الحكومة وصولاً إلى مساءلة الرئيس، وهو ما فعله الديمقراطيون مرتين ضد ترمب في ولايته الأولى.
والأهم من كل ذلك، أن شخصية دونالد ترمب تختلف عن شخصيات الرؤساء السابقين، لذلك، يمكن أن تتغير الأمور بسرعة كبيرة وأن نرى ونسمع خطوات وقرارات من واشنطن تخالف المعلومات والتوقعات. لكن ما ورد أعلاه يستند إلى المعلومات المتاحة حتى الآن، وليس تحليلاً أو رأياً. ولأن العديد من الأصدقاء الأعزاء طلبوا توضيحاً، أردت من خلال هذا المقال أن أوضح الصورة التي أراها هنا والتي ناقشناها بالتفصيل وبشكل أوسع في بثنا المباشر على رووداو. ابقوا أعينكم على رووداو لمتابعة أحدث المعلومات والمستجدات.
