تابعت وبشغف وعلى مدى اكثر من ساعتين المناظرة الانتخابية، التي جرت بين الرئيس الفرنسي ايمانوئيل ماكرون، ومارين لوبين "ماريون" ابنة زعيم الجبهة الوطنية المتطرفة جان ماري لوبين.
المناظرات الانتخابية (بدعة) اميركية دشنها الاميركيون المولعون بالبدع في الستينيات من القرن الماضي، وكانت وقتها بين الديمقراطي الوسيم جون كينيدي، والجمهوري (الوخيم) نيكسون.. ويبدو ان هذه البدعة، لم تكن ضلالة، بل امست تقليدا عالميا، الا في الاوساط السياسية العربية، خوفا من ان ينتهي الحوار التراشق بالكراسي، وتصبح الاماسي.. مآسي .
ماكرون، عازف البيانو الذي يلقبه اصدقاؤه بـ"موزارت الاليزيه" وينعته المتطرفون بمرشح النخب من الاثرياء، أمضى شبابه موظفا في بنوك "روتشليد" اليهودية، وكان مولعا بالاقتصاد، الامر الذي جعله يقع في حب استاذته، لينتهي وبطريقة رومانسية بالزواج منها، مع فارق العمر الكبير بينهما .
كان هذا الزواج بداية لفتح ابواب الاقتصاد السياسي لهذا الوسيم، والعليم باسرار الوصول لمركز السلطة في قصر الاليزيه، وليدشن عهده الاول وزيرا للاقتصاد باعتناء، في اول ثمرة سياسية يلتهمها الشاب ماكرون على (رواء) .
في المقابل، كانت مارين لوبين زعيمة "التجمع الوطني" قد امضت شبابها وقبل ان تصبح محامية، ترافق والدها في مؤتمراته ومهرجاناته، عندما فاجأ الرأي العام الفرنسي، بحزب "الجبهة الوطنية"، وهو اول حزب يميني شعبوي شعاره الاول والمثير للجدل "وقف الهجرة، وطرد الاجانب من فرنسا" والمقصود بالاجانب ليس مشاهير فرنسا من الفنانين والمثقفين والرياضيين، بل المهاجرين من العرب والمسلمين وسواهم، من الذين انحدروا من شمال افريقيا بكثافة، نظراً للحاجة للايدي العاملة، التي انحسرت بعد الحرب العالمية الثانية .
في علم السيمياء ودلالة الاشارات والابتسامات، و(جهامة) وتقلصات الوجوه، ظهر المرشحان اكثر سيطرة داخل ستوديو القناتين الخاصة والعامة، وتمسكا بأدب الحوار قياسا لمناطرة 2017 على الرغم من اخفاء بعض النظرات الشيطانية .
ماكرون المجرب، استفاد من تجربته بالحكم لمدة خمس سنين خلت، لكنه لم يكن بأفضل حال من مناظرته السابقة مع السيدة لوبين، في حين استفاقت ماري لوبين من حالة الهذيان، وانشغالها بلملمة اوراقها كما كانت في جولتها السابقة، لكنها كانت تعاني من تلكؤ ذهني، وهي تحاول شرح برامجها في ادارة الدولة، الا في موضوع القوة الشرائية، فقد تميزت واجتهدت عن ماكرون الذي فشلت سياسته الاقتصادية في دفع القوة الشرائية الى الامام، رغم انه نجح في تقليص مستويات البطالة، والملفت ان ماكرون السياسي الشاب، ابتعد عنه معظم الشباب و يتهمونه بالفشل في معالجة جائحة كورونا، وثقل الاجراءات الصحية، التي سببت حجزهم في بيوتهم لمدة طويلة .
اخلاقيا.. كان كل طرف يحاول الابتعاد عن التجريح الذي صدر عنهما في المناظرة السابقة، وعدم الوقوع فريسة التفريط بالمصالح الوطنية على حساب المصالح الدولية، لكن موضوع الحرب الروسية الاوكرانية، وانضمام فرنسا والاتحاد الاوربي بقوة لنصرة اوكرانيا، وانشغال ماكرون كثيرا بمكالماته مع الروسي بوتين، جعلت الخشية والحذر اكبر، وتجربة هتلر ومارشال بيتان في الحرب الثانية ما زالت عالقة بالاذهان.
استيقظت السيدة ماريون التي تؤيد بوتين ضمنيا، بتوجيه نقد لاذع لسيد الاليزيه، لكن ماكرون فاجأها ومذكراً اياها بحصولها على قرض مشبوه من بنك روسي.
تراجعت مارين لوبين قليلا، عن تشددها في موضوع ارتداء الحجاب في الاماكن العامة، بعد ان حذرها ماكرون ان فرنسا العلمانية لا تقمع الحريات العامة، وان مثل هذا الاجراء قد يسبب حربا اهلية .
كان كل واحد منهما يخشى من الاتهام الخطير بتقديم المصلحة الاوربية، على المصلحة الفرنسية، وكادت مارين ان تنصب فخاً لغريمها ماكرون المعروف باستعلائه، مما جعل فرنسا تقترب الى منظومة دول اوربا الشرقية فهي "ديمقراطية.. لكنها ليست ليبرالية".
كانت المناظرة في دواخلها، ومن طرف خفي تسعى لكسب ود الذين لم يذهبوا الى صنادق الاقتراع، والاهم من ذلك اقناع مرشح الوسط "ميلانشون" الذي حصل على اكثر من عشرين بالمائة من الاصوات، الانضمام اليهما، مع العلم انه طلب من انصاره عدم منح اصواتهم لأي طرف، وبشكل خاص السيدة لوبين، لكنه رضي ان يكون رئيسا للوزراء للفائز منهما .
في استطلاع جديد لجريدة "لو موند" الفرنسية، تبين ان الفرصة لم تحن بعد لاستلام اليمين المتطرف مقاليد الحكم في البلاد، لكن الشباب الفرنسي الذي يراهن عليه الجميع ربما سيعلن موقفه يوم الاحد القادم 4/24 والذي يدعم المنطق بالحجة الدامغة سيكون صاحب الحظ الافر.


.jpg&w=3840&q=75)
