في ظل ما مرت به سوريا من حرب مدمرة منذ عام 2011، برزت الحاجة الملحة إلى إعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة قائمة على العدالة، المواطنة، والتعددية. وفي هذا السياق، تبرز قضية مشاركة الكورد في إدارة البلاد كأحد أبرز التحديات والفرص على حد سواء. فالكورد، بوصفهم ثاني أكبر قومية في سوريا، ليسوا مجرد مكوّن ديمغرافي، بل شريك أصيل في التاريخ والجغرافية والسياسة، ولا يمكن الحديث عن مستقبل سوريا دون مشاركتهم الفاعلة في بنائه.
وهنا لابدّ من الإشارة إلى مجموعة من النقاط:
أولاً- الوحدة الوطنية لا تكتمل بدون الكورد: إنّ تجاهل المكون الكوردي أو تهميشه في أي مشروع وطني مستقبلي يعني تكرار أخطاء الماضي التي أوصلت البلاد إلى الانفجار. لقد سعت الأنظمة المتعاقبة إلى صهر الكورد قسرياً ضمن "عروبة" شمولية، ما خلق حالة من القطيعة والاغتراب بين الدولة ومواطنيها الكُورد. واليوم، فإن إعادة دمج الكورد في مشروع وطني جامع يتطلب الاعتراف بهم كشركاء متساوين في الحقوق والواجبات، لا كأقلية يتم استيعابها بشروط الأكثرية.
ثانياً- تصحيح المظلومية التاريخية شرط لبناء الثقة: لقد عاش الكورد عقوداً من التهميش الممنهج، بدءاً من إحصاء الحسكة الاستثنائي عام 1962، الذي جرّد عشرات الآلاف من الجنسية السورية، مروراً بسياسات التعريب، والمنع الثقافي واللغوي، وصولاً إلى القمع الأمني لكل تعبير سياسي أو اجتماعي كوردي. إن إشراك الكورد في إدارة الدولة هو بمثابة اعتراف سياسي وأخلاقي بهذه المظلومية، وخطوة أولى على طريق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
ثالثاً- التعددية أساس الديمقراطية الحقيقية: إن بناء سوريا ديمقراطية جديدة يستدعي الاعتراف بتنوعها القومي والديني والثقافي، وتجاوز النموذج المركزي الشمولي. فكما لا تُبنى الدولة على الطائفية أو الأحادية السياسية، فإن اختزال الهوية السورية في القومية العربية فقط يُعد اختلالاً بنيوياً. الكورد، كغيرهم من السريان الآشوريين والأرمن والتركمان والعرب، لهم الحق في التمثيل السياسي والثقافي، وفي إدارة شؤونهم ضمن إطار الدولة.
رابعاً- دور فعّال في محاربة الإرهاب والاستقرار المحلي: أثبت الكورد، من خلال قوات سوريا الديمقراطية والمؤسسات المدنية في شمال شرق سوريا، قدرتهم على حماية مناطقهم، وتقديم نموذج أولي لإدارة مجتمعية تختلف عن أنماط الفوضى السائدة في مناطق أخرى من البلاد. هذا الدور لا يمكن تجاهله عند الحديث عن إعادة بناء الجيش، الأمن، والإدارة في سوريا الجديدة. فالكورد لم يكونوا عبئاً، بل كانوا شركاء فعليين في محاربة داعش، ومصدر استقرار نسبي في خضم الفوضى.
خامساً- تجربة الإدارة الذاتية كفرصة للتطوير لا للتقويض: مهما كانت الملاحظات على تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، فإنها تبقى تجربة محلية نشأت من فراغ الدولة، وقدّمت نموذجاً في الإدارة والتعليم والصحة والخدمات. هذه التجربة ليست بديلاً عن الدولة، لكنها قد تكون نواة لتصور لا مركزي جديد يضمن توزيع السلطة بشكل عادل. مشاركة الكورد في إدارة البلاد تعني أيضاً الاستفادة من هذه التجربة وتطويرها، بدلاً من شيطنتها أو محاربتها.
سادساً- مشاركة الكورد تعزز الشرعية الوطنية والدولية: في مرحلة ما بعد الصراع، تحتاج سوريا إلى إعادة بناء شرعيتها داخلياً وخارجياً. إشراك الكورد في صلب العملية السياسية يمنح مشروع الدولة الجديدة مصداقية حقيقية، سواء من منظور المجتمع السوري أو من جهة المجتمع الدولي الذي ينظر بإيجابية إلى دور الكورد في محاربة الإرهاب، وفي الدفاع عن مبادئ الديمقراطية والمساواة بين الجنسين، وحقوق الأقليات.
سابعاً- نحو عقد اجتماعي جديد وشراكة عادلة: إن مشاركة الكورد في إدارة سوريا الجديدة ليست مسألة "مكافأة" لهم على دورهم، بل هي استحقاق وطني وأخلاقي وسياسي. ما تحتاجه سوريا اليوم هو عقد اجتماعي جديد يقوم على المساواة بين جميع المكوّنات، ويضمن شراكة حقيقية في الثروة والسلطة، ويعترف بالتعددية الثقافية واللغوية، ويكسر مركزية الحكم لصالح نماذج لا مركزية تضمن التنمية والتمثيل العادل.
ختاماً، إن الحديث عن مشاركة الكورد في إدارة سوريا الجديدة ليس ترفاً فكرياً، بل شرط أساسي لأي حل سياسي مستدام. هذه المشاركة ليست فقط ضمانة للكورد، بل هي ضمانة لكل السوريين الذين يحلمون بدولة مدنية، ديمقراطية، متعددة، يعيش فيها الجميع بكرامة وعدالة ومساواة. فبدون الكورد، لن تكتمل سوريا، وبدون الشراكة لن تُبنى الدولة.
