منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، بقيت العلاقة بين الهوية الوطنية والتعدد القومي واحدة من أعقد المعضلات. فالمركزية العربية – البعثية تحديداً – اختارت طريق الإنكار والهيمنة، فأنكرت وجود الشعب الكوردي، وطبّقت سياسات التذويب القسري (الإحصاء الاستثنائي 1962، الحزام العربي، التعريب الممنهج)، لتصوغ هوية وطنية مشوّهة على مقاس أيديولوجيا قومية ضيقة.
هذه التركة الثقيلة لم تُنتج سوى الانقسام، وأسست لانفجار الأزمة السورية، حيث برز الكورد مجدداً كمكوّن رئيسي يطالب بالاعتراف الدستوري والشراكة السياسية.
أولاً: الاعتدال بين القيمة والفخ
في السياسة، الاعتدال قيمة ضرورية لتجنب التطرف والعنف. لكن في الحالة الكوردية السورية، تَحوّل ما يُسمّى "الاعتدال" لدى بعض النخب إلى تفريط استباقي: أي التنازل عن الحقوق القومية الأساسية تحت ذريعة الوطنية الجامعة.
هؤلاء يطرحون خطاباً ناعماً يلقى التصفيق من القوميين العرب، لكنه عملياً لا يختلف عن إعادة إنتاج المركزية السابقة، فقط بوجه جديد.
الاعتدال هنا يصبح انسحاباً تدريجياً من الذات، بدل أن يكون وسيلة لطرح مشروع وطني ديمقراطي جامع.
ثانياً: الشوفينية العربية.. العمى التاريخي
التجربة العربية مع "الوحدة" و"الأمة الواحدة" أثبتت فشلها منذ زمن. تجربة حزب البعث نموذج ساطع: رفع شعار الوحدة والحرية والاشتراكية، لكنه مارس التقسيم الداخلي، حيث صُنّف الشعب إلى درجات حسب الولاء والهوية.
باسم "الوحدة الوطنية" جرى إقصاء الكورد من الحياة السياسية، وحُرموا حتى من أبسط حقوق المواطنة (اللغة، التعليم، الملكية العقارية).
النتيجة لم تكن وحدة، بل تفككاً للدولة وانفجاراً اجتماعياً انتهى إلى حرب أهلية مفتوحة.
رغم ذلك، مازالت الشوفينية العربية ترى القشّة في عين الكوردي المطالب بالحقوق، وتتعامى عن الخشبة في عينها: الاستبداد، عسكرة السياسة، ونفي التعددية.
ثالثاً: التحشيد العشائري وإعادة إنتاج الغلبة
اليوم، مع تعقّد الصراع السوري، برز التحشيد العشائري كأداة في يد بعض القوى العربية لمواجهة أي مشروع كوردي.
هذا المنطق يُعيد سوريا إلى ما قبل الدولة الحديثة: إلى زمن العصبية والغلبة، حيث الولاء للعشيرة يعلو على فكرة المواطنة.
إن الجمع بين القومية الشوفينية والعشائرية التقليدية يعني تثبيت منطق السيطرة العددية، لا بناء عقد اجتماعي عادل. وهو ما يجعل أي حوار حقيقي حول مستقبل سوريا هشاً منذ البداية.
رابعاً: المقارنة مع التجربة الكوردية في العراق
من المفيد هنا التوقف عند تجربة كوردستان العراق، حيث رفض طويلاً الاعتراف بكيان الكورد الفيدرالي، واتُّهموا بالانفصال. لكن مع مرور الوقت، وبعد 2003 تحديداً، أصبح نموذج إقليم كوردستان أحد أكثر النماذج استقراراً في عراق مضطرب.
القوى العراقية التي حاربت الفيدرالية الكوردية عادت لاحقاً لتطالب بمزيد من الصلاحيات للمحافظات العربية نفسها. هذا يُظهر أن الفيدرالية ليست تهديداً للوحدة، بل ضمانة لبقاء الدولة، حين تكون الدولة متعددة القوميات والطوائف.
وبالمقارنة، فإن رفض الشوفيني العربي لأي صيغة لامركزية في سوريا ليس موقفاً مبدئياً بقدر ما هو هاجس فقدان الهيمنة.
خامساً: كلمة إلى "المعتدل" الكوردي
إن الاعتدال لا يعني التنازل عن الوجود القومي، بل القدرة على صياغة مشروع عادل: مشروع يعترف بالتعددية القومية والدينية، ومشروع يضمن شراكة حقيقية عبر صيغة سياسية واضحة (فيدرالية، أو لامركزية سياسية متقدمة)، ومشروع يُخرج سوريا من منطق الغلبة إلى منطق التوافق.
أما الاعتدال الذي يصفّق له الشوفيني العربي، فهو مجرد غطاء لاستمرار الإنكار.
سادساً: نحو عقد وطني جديد
إن مستقبل سوريا مرهون بقدرتها على إنتاج عقد وطني جديد يقوم على:
1-الاعتراف الدستوري بالكورد وغيرهم كمكوّنات أصيلة.
2-بناء نظام سياسي لامركزي (إدارية أو سياسية أو فيدرالية) يضمن توزيع السلطة والثروة.
3-تجاوز عقلية العشيرة والقومية الأحادية نحو دولة المواطنة.
من دون ذلك، ستظل سوريا تدور في حلقة مفرغة من الإنكار والانقسام.
الخلاصة
الكورد ليسوا بحاجة إلى اعتدال يذيبهم في وطن مصاغ على مقاس شوفينية مهيمنة، بل إلى اعتدال فاعل يبني عقداً وطنياً جديداً يضمن التعددية والشراكة. أما العقلية العربية الشوفينية، فلا مفرّ لها من مراجعة ذاتها: فإما الاعتراف بالآخر شريكاً، أو البقاء سجينة خشبتها العمياء التي أوصلت البلاد إلى الخراب.
