رووداو ديجيتال
أكد ممثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) في العراق، صلاح الحاج، أن العام الحالي قد يكون الأصعب من حيث نسبة الأمطار والجفاف منذ عام 1933، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على العراق وحده، بل باتت إقليمية وعالمية، إلا أن العراق يتأثر بها أكثر من غيره.
وقال الحاج لشبكة رووداو الإعلامية، اليوم السبت (9 أب 2025)، إن "الوضع المناخي في إقليم كوردستان يمنحه إمكانيات أفضل مقارنة بمناطق الجنوب، نظراً لارتفاع نسبة المتساقطات تاريخياً، وطبيعة المناطق الجغرافية التي تشمل الهضاب والجبال، إضافة إلى مصادر المياه والبيئة الزراعية المتنوعة".
وأوضح أن "هذه المكونات تمنح إقليم كوردستان قدرة أكبر على التكيف مع الظروف المناخية، في حين تعاني مناطق الجنوب، مثل الأهوار، من تحديات مركبة تشمل شح المياه، ارتفاع نسبة الأملاح، وتدهور التربة، ما ينعكس سلباً على الزراعة وتربية الجاموس والإنتاج الحيواني".
وأشار إلى أن "منظمة فاو تنفذ عدة مشاريع بالتعاون مع الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان، منها نماذج تطبيقية في حوض أربيل تعتمد على الاستشعار عن بعد لتحديد الأوقات المثلى للري، إضافة إلى مشاريع في محافظات الوسط تتعلق بالبنى التحتية للمياه، وتشجيع المزارعين على اعتماد التقنيات الحديثة".
وأضاف أن "المنظمة تعمل مع وزارات الزراعة والبيئة والموارد المائية والتخطيط، وقد تم هذا العام تأمين مشروع من صندوق المناخ الأخضر، يهدف إلى الاستخدام الأمثل للطاقة والمياه، ويرتبط بالأمن الغذائي والسياسات الزراعية".
كما يجري العمل على نماذج للري المغلق، وإعادة تأهيل قنوات الري، والحد من الهدر، وهي مشاريع مدعومة جزئياً من الحكومة، وتُعد نماذج ناجحة يُفترض توسيع نطاقها على المستوى الوطني.
وتحدث الحاج عن الأسباب المتراكمة التي جعلت العراق أكثر تأثراً، منها ارتفاع درجات الحرارة، تراجع الأمطار، زيادة عدد السكان، قطع الأشجار، وسوء التعامل مع الموارد الطبيعية، إضافة إلى أن 70% من مساحة العراق تقع تحت تأثير المناخ الصحراوي والجاف، خاصة في الوسط والجنوب.
وأشار إلى أن "نسبة الجفاف في الأهوار وصلت إلى أكثر من 70%، خاصة في الأهوار الوسطى وهور الحمار، بينما جف هور الحويزة بالكامل هذا العام، ما أدى إلى ارتفاع نسبة الملوحة وتضرر الإنتاج الحيواني، ونزوح العائلات التي تعتمد على تربية الجاموس إلى ضفاف الفرات".
كما تراجعت المساحات الزراعية إلى ما دون النصف، ما أثر على مصادر دخل آلاف العائلات الريفية، وانعكس على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
وأكد الحاج أن "مواجهة هذه التحديات تتطلب مقاربة مختلفة، تشمل تغيير الممارسات الزراعية، تحسين كفاءة استخدام المياه، والانتقال من الطرق التقليدية إلى أخرى أكثر فاعلية"، مشيراً إلى أن "هناك جهوداً حكومية بدأت منذ سنوات، لكنها تحتاج إلى خطط استراتيجية طويلة الأمد".
وشدد على "ضرورة تأمين المتطلبات المادية والفنية، وتضافر الجهود بين الجهات المعنية، خاصة في ما يتعلق بإعادة تأهيل البنى التحتية، برامج التشجير، إدارة المياه، والتصحر"، مؤكداً أن "العراق يمتلك إمكانيات كبيرة، والمطلوب هو تسريع وتيرة العمل وتوفير الدعم اللازم".
وختم حديثه بالتأكيد على أن القطاع الزراعي هو الأكثر تأثراً، وأن المقاربة يجب أن تكون متعددة الأبعاد، تشمل الجوانب الزراعية، المائية، الاجتماعية، والاقتصادية، لضمان مواجهة فعالة ومستدامة لهذه الأزمة المتفاقمة.
خلال السنوات الأخيرة، حيث سجلت وزارة الموارد المائية العراقية انخفاضاً حاداً في الإيرادات المائية لنهرَي دجلة والفرات، وصلت إلى أقل من 30% مقارنة بالسنوات السابقة، هذا التراجع أدى إلى انخفاض المخزون المائي في السدود والخزانات إلى مستويات حرجة، ما أثر بشكل مباشر على الزراعة، الثروة الحيوانية، والأمن الغذائي.
مناطق الأهوار في جنوب العراق، خاصة في محافظات ذي قار وميسان والبصرة، كانت الأكثر تضرراً، إذ تعرضت لجفاف شبه كامل، وارتفعت نسبة الملوحة في المياه إلى مستويات غير قابلة للاستخدام الزراعي أو الحيواني، هذا الوضع تسبب في نفوق أعداد كبيرة من الجواميس، ونزوح العائلات التي تعتمد على تربية المواشي نحو مناطق قريبة من ضفاف الفرات.
في منتصف عام 2024، أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عن مشروع شامل لتأهيل وتحديث منظومات الري في محافظات الوسط والجنوب، بهدف تقليل الهدر وتحسين كفاءة استخدام المياه، وشمل المشروع دعم تقنيات الري الحديثة مثل الري بالتنقيط والري المغلق، بالتعاون مع وزارة الموارد المائية ووزارة الزراعة، ضمن خطة وطنية لمواجهة التصحر وتغير المناخ.
كما أطلقت الحكومة الاتحادية مشاريع لبناء سدود صغيرة ومتوسطة في المناطق المتضررة من الجفاف، لتجميع مياه الأمطار وتحسين التخزين الموسمي، إلى جانب تنسيق مباشر مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) لتنفيذ برامج استشعار عن بعد لتحديد فترات الري المثلى، خاصة في حوض أربيل.
وفي خطوة نوعية، تم تأمين مشروع ممول من صندوق المناخ الأخضر، يهدف إلى الاستخدام الأمثل للطاقة والمياه وربط ذلك بالأمن الغذائي والسياسات الزراعية، ويُنفذ بالتعاون بين المنظمة والجهات الوطنية المعنية.
من جهتها، أطلقت حكومة إقليم كوردستان عدة مشاريع ستراتيجية لمعالجة أزمة المياه، أبرزها المشروع الطارئ للمياه في أربيل، الذي وُضع حجر أساسه في 20 تموز 2024. يهدف المشروع إلى حل مشكلة نقص المياه في العاصمة لمدة ثلاثين عاماً، عبر ضخ مياه الزاب الكبير إلى المدينة، وإعادة هيكلة شبكة التوزيع لضمان وصول المياه إلى جميع الأحياء.
كما أطلقت حكومة إقليم كوردستان مشروع نقل مياه الزاب الصغير إلى منطقة قوشتبة والقرى المحيطة، بهدف إغلاق مئات الآبار وتجديد المياه الجوفية، إلى جانب مشروع معالجة المياه المستعملة لحماية البيئة والمياه الجوفية، واستغلالها في الري والنظافة.
وفي إطار إنعاش المياه الجوفية، تم تنفيذ مشروع لبناء أحواض ترابية وخزانات مائية وحفر آبار لتجميع وتصفية مياه الأمطار في أطراف أربيل ودهوك، بكلفة بلغت نحو 150 مليون دينار عراقي، ويأتي ذلك ضمن تحول ستراتيجي نحو الاعتماد على المياه السطحية بدلاً من استنزاف المياه الجوفية، في المرحلة الأولى من مشروع الإمداد الطارئ بالمياه.


