أثار الإعلان عن تشكيل الوفد الكوردي المكلّف بالحوار مع الحكومة السورية الانتقالية بشأن حقوق الشعب الكوردي في سوريا المستقبل، موجة من الاعتراضات، خاصة من أبناء منطقتي كوباني وعفرين، الذين عبّروا بوضوح عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن رفضهم لتغييب ممثلين عنهم في هذا الوفد.
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: كيف يمكن لوفد كوردي "مركزي" بامتياز، لا يضم تمثيلاً لمنطقتي كوباني وعفرين، أن يطالب باللامركزية كنموذج للحكم في سوريا المستقبل؟ إنه تناقض صارخ، يكشف بوضوح عن إعادة إنتاج لذات منطق المركزية التي لطالما رفضها الكورد في سوريا، ولكن هذه المرة من داخل البيت الكوردي نفسه.
فالوفد الحالي يتكوّن في معظمه من ممثلين عن منطقة واحدة من المناطق الكوردية الثلاث الرئيسية (الجزيرة، كوباني، عفرين)، في تغييب واضح لمنطقتين أساسيتين تشكلان عمقاً ديمغرافياً وثقافياً لا يمكن تجاهله. كوباني وعفرين ليستا هامشاً في الخارطة الكوردية، بل قلبها النابض، ومن المستحيل صياغة مشروع كوردي عادل أو وفد تفاوضي متوازن من دونهما.
يُعاد في هذا السياق استخدام مصطلحات مثل "الانفصالية" و"المناطقيّة" لتشويه أي مطالبة عادلة بالتمثيل، وهي مصطلحات تنبع من نفس الذهنية الإقصائية التي مارستها الأنظمة السورية المتعاقبة ضد الكورد لعقود. فعندما يطالب الكورد بحقوقهم القومية، يُتهمون بالانفصالية، وعندما تطالب كوباني وعفرين بحق التمثيل العادل، يُتهم أهلهما بالمناطقيّة.
إنه نفس منطق الدولة المركزية الذي يرفض الاعتراف بالتعدد والتوازن، ويبدو أن بعض الأحزاب الكوردية التي ترفع شعارات اللامركزية على مستوى سوريا، تمارس داخل البيت الكوردي أقسى أشكال المركزية الحزبية، لتُفرغ خطابها من أي مضمون ديمقراطي أو أخلاقي.
بعيداً عن التقسيمات الإدارية التي فرضتها الحكومات السورية المتعاقبة، تتمتع كوباني وعفرين بثقل قومي واجتماعي كبير. إذ تصل نسبة الكورد فيهما إلى قرابة 100%، وتضمان نحو 350-400 قرية متصلة جغرافياً، ومترابطة ديمغرافياً وثقافياً، ما يمنحهما وحدة مجتمعية متماسكة. رغم ذلك، تم تهميش تمثيلهما الكامل في الوفد الكردي للحوار، كما جرى تجاهل قوى سياسية فاعلة مثل حزب الوحدة الديمقراطي الكوردي في سوريا (يكيتي) وحركة آزادي كوردستاني – سوريا، وهما من ركائز النضال السياسي الكوردي ولديهما قواعد جماهيرية في هاتين المنطقتين.
ولم يتوقف الأمر عند التهميش الجغرافي، بل إن الوفد يفتقر كذلك إلى شخصيات مستقلة من ذوي الكفاءة الأكاديمية أو الجيل الشباب، وكأن تشكيله تمّ بمنطق "المحاصصة الحزبية" و"تقاسم الغنائم"، وليس بناءً على الكفاءة أو التمثيل الشعبي. بعض المقاعد بدت وكأنها محجوزة لأشخاص بعينهم بصفتهم الشخصية أو العائلية، لا بتمثيلهم الحقيقي لأي شريحة مجتمعية.
في المقابل، هناك مواقف سياسية مشرّفة تستحق التقدير، فقد بادر الأستاذ محيي الدين شيخ آلي (سكرتير حزب الوحدة الديمقراطي الكوردي في سوريا) إلى تكليف الأستاذ أحمد سليمان (نائب سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكوردي في سوريا) بتمثيل الحزبين في الوفد، في خطوة تعكس وعياً بالمسؤولية القومية، واحترامًا للتمثيل المشترك والمتوازن.
كما أن الأستاذ مصطفى جمعة (رئيس حركة آزادي كوردستاني – سوريا) سبق أن تنازل مرتين عن منصب السكرتير لصالح وحدة الصف الكوردي، الأولى عام 2005، والثانية عام 2014، في مشهد يعكس الوعي السياسي العالي، بعكس ما نشهده اليوم من تفتيت حزبي بدوافع شخصية أو عائلية. أليس من الإنصاف تمثيل هذه الشخصيات ومن يقف وراءها من جماهير؟.
ثمّ هل من المقبول أن يبقى التمثيل حكراً على "السكرتير الأول"؟ ألم تنجب الأحزاب الكوردية كوادر أخرى ذات كفاءة؟ ألم تتغير قيادات العالم عشرات المرات بينما ما زلنا نرى نفس الوجوه في كل وفد وتمثيل، وكأن الأمهات لم يلدن سواهم؟.
ومن المفارقات أن الذهنية ذاتها التي اخترعت مصطلح "المناطقيّة" ضد أبناء كوباني وعفرين، هي من غيّرت اسم القائد الكوردي مظلوم كوباني إلى مظلوم عبدي، في إلغاء مقصود لجذر انتمائه إلى كوباني، رغم أن اسمه الحقيقي هو مصطفى عبدي.
وللإنصاف، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، تعامل تاريخياً مع كوباني وعفرين بقدر عالٍ من التوازن في التمثيل، على عكس ما نشهده الآن في هذا الوفد.
ختاماً، إن دعم الوفد الكوردي واجب قومي ووطني، لكنه لا يمكن أن يكون على حساب العدالة الداخلية، أو في سياق إعادة إنتاج الإقصاء بحق منطقتين محوريتين في الجغرافية والتاريخ الكوردي في سوريا، لا تمثيل حقيقي دون شراكة متكافئة، ولا وحدة كوردية دون عدالة داخلية.
ووفد كهذا، بصيغته الحالية، لن يكون في الموقع المناسب لخوض مفاوضات جدية، خصوصًا في ظل استمرار الوضع المعقّد في عفرين، حيث تفرض فصائل مدعومة من تركيا أو من الحكومة السورية المؤقتة حضورها الميداني. إن تمثيل منطقتي كوباني وعفرين ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية ومجتمعية وتاريخية لا يمكن تجاوزها دون الإضرار بشرعية أي وفد يتحدث باسم الشعب الكوردي في سوريا، ذلك الشعب الذي هو أكبر من كل الساسة والأحزاب.
