ترددت أقاويل تناولتها مواقع وشخصيات كلها قالت إن الإغتيال قدمته طهران الى إسرائيل من أجل التسهيل في ملفها النووي أو رفع الحصار، وبناء على قربي الجغرافي والسياسي وإطلاعي على الأوضاع في ايران، يمكنني الحديث عن هذا الموضوع والذي منذ اغتيال صالح العاروري إلى استشهاد القائد إسماعيل هنية قيل ما ليس بقليل حوله.
في عالم المخابرات يمكنك تصور كل شيء، لكن هناك أشياء لا يمكن للعقل السليم تصورها، القضية ليست هنا دينية مذهبية، أي نقل المعايير الدينية وخلافاتها الى عالم السياسة والتعامل السياسي على الأرض، عندما تنحدر الالتزامات تُضَحّى بالدين من أجل السياسة هكذا يقول التاريخ ممن يبحثون عن الكسب السياسي السلطوي المجرد، وبما أن الخلاف المذهبي بين حماس وطهران أكثر من واضح، فالمعادلة هنا معاكسة، أي أن السياسة هنا مقدمة على الدين وبالتالي أن الخلاف المذهبي لن يكون مؤثراً أكثر من المصلحة السياسية، ولمّا أن الأمر كذلك، فإن المصلحة السياسية هنا لا تقتضي فتح باب لإغتيال هنيّة، لأن الكثير من الضغوط التي تتعرض لها طهران وتدعوها لتلبية رغبات واشطن وتل أبيب مبنية على دعمها للمقاومة الفلسطينية، فبمجرد قطع هذا الدعم يحصل على الكثير مما تبحث عنها من الغرب والاميركيين من دون الحاجة الى الدخول في مسار طويل من النزاع كما هي داخلة فيه الآن.
ومن يكون مطلعاً على الداخل الإيراني يعلم جيداً بأن القوميين الإيرانيين لا تعجبهم سياسة نظامهم الحاكم تجاه لبنان وفلسطين، لأنه من منظورهم أن الكثير من الموارد يذهب صرفه الى هذه المجموعات ونتيجتها انعكست على الشعي الإيراني بالحصار وانهيار قيمة العملة، كان بإمكان إيران فعل ما تفعله الكثير من الدول الإسلامية الأخرى من دون الدخول في صراع لم تجن منه سوى انهيار الاقتصاد والتناطح الجماهيري، ربما لو نظرنا الى الهجمات المتتالية التي تعرضت لها دولة قطر ودوحتها الشريفة من إسرائيل واللوبي اليهودي في الكونغرس خلال الشهور الماضية، لعلمنا ثمن إيواء حماس.
أما لماذا طهران وليست القاهرة ولا الدوحة ولا أسطنبول؟ الجواب سهل جداً. لكن قبل الجواب أريد ذكر نقطة ذِكْرُها مفيد هنا، وهي، انه خلال الشهرين الماضيين كانت الانباء تتوالى من مصادر معينة قريبة من إسرائيل تقول إن قطر قررت طرد قيادات حماس من الدوحة، وإن المكتب السياسي لحماس كانت قد وصلت الى بغداد من أجل تحديد وترتيب مقرّ كبير يبنى لهم على أرض واسعة بطلب من إيران ودعم منها، وحُدِّد الموقع وطبيعته، الخبر تداولته وسائل إعلامية عراقية على أنها صحيح، ومع الأسف إن العديد ممن يوصفون بالنخبة ويُعنونون بالمحللين الستراتيجيين بما لهذا الوصف من ثقل وندرة من يتصفون بها في العالم، لكن في العراق يتكاثرون بسبب الإعلام الرديء الذي يبحث عن عناوين ضخمة كالبقع النتنة على مياه دجلة، هؤلاء بدأوا بالتحليل والخطر الستراتيجي على العراق لأنه دخل المحظور، في وقته بدا الأمر كأنه ليس خبر وعمل يقدم عليه قطر وإنما هو في حقيقته رغبة من هؤلاء يعملون من أجل حصوله، وقلت في وقته إن هذا اللّغط هو من أجل الدفع بقيادة حماس الى موقع يسهل إغتيالهم. لماذا؟
هنا الجواب على السؤال، لماذا يمكن الإستهداف في العراق وإيران وليس في الدوحة؟
1- الحق إنه من الناحية التقنية والعسكرية سهل على الإسرائيليين استهداف هنية في انقرة أو الدوحة وأسهل منهما في القاهرة، لكن القضية ليست الجانب التقني في هذا المجال وإنما هي في الجانب السياسي، فهنية تتمتع بتغطية سياسية أميركية دولية في الدوحة، لكن هذا الغطاء مرفوع في بغداد وطهران وبيروت، هذه العواصم لا تتمتع بالحرمة لدى الغرب والأميركيين، خاصة أنها من العواصم التي ترى فيها إسرائيل أعداءً، إنتهاك حرمتها لا ينعكس على الإسرائيليين بشيء، على خلاف الدوحة وأنقرة، فمع الجفوة البارزة بينها وبين الاحتلال، لكن الحرمة السياسة الدولية تضع جداراً في وجه قادته لفعل شيء سلبي للضيوف على أرضها.
2- إن الأجهزة الأمنية العراقية الإيرانية سهلة الاختراق على عكس ما يتوقع البعيدون، وإن الشراء والبيع ليس صعباً، ولإسرائيل داخل إيران مجموعات من العملاء منظمين قادرين على تنفيذ العمليات دون الحاجة الى الاستعانة بمسؤوليهم في الخارج، لديهم القدرة التقنية واللوجستية لفعل أغلب ما يريدون، وقد اغتيل في السابق العالم الإيراني الفيزيائي محسن فخري زاده في تشرين الثاني 2020 في طهران كذلك بنفس الطريقة، أي الاغتيال بالرمي عن قرب.
هناك مسلسلة إسرائيلية تحت عنوان "طهران" تعكس حلقاتها هذا الجانب من العمل الاستخباراتي بينهما، وإن التجنيد للشباب داخل المؤسسات الأمنية والعلمية والوصول الى اختراق القيادة وتنفيذ الاعمال هو مما يجري داخل الأراضي الإيرانية نفسها. فالعالم بإيران لا يستصعب حصول هذه الاعمال فيها.
عندما التقيت بالاستاذ الشهيد إسماعيل هنية في تركيا في شهر كانون الثاني 2024، كانت الإجراءات الأمنية مطمئنة للمحبين له، وقد كان الامر باغتيالهم صادراً من قيادة الاحتلال، لكن ما رأيته في زيارته الى طهران والمكشوفية التي أحاطت بالزيارة والنزول الى الشارع لم يكن مناسباً لرجل يعيش وضعاً استثنائياً بكل المقاييس، ونحن نعلم أن ياسر عرفات رحمه الله اغتيل بنقل السمّ الى داخل جسمه عبر مصافحة واحدة، فليس شرطاً اختراق الهاتف لتحديد المكان وانما مصافحة واحدة أو لمس واحد للملابس يكفي لتحديد مكان الشخص عبر الأجهزة الذكية.
3- وهذا هو الأهم، وهو أن القول بأن طهران هي التي تقدم القادة على طبق من ذهب لإسرائيل هو إستخفاف بعقول قيادة حماس، العقول التي أذهلت العالم بأدائها المبهر في خضم عالم سيء منحطّ في قيمه وأصوله الإنسانية، عالم معادي، فلا أظن بأن هؤلاء القائلون يمتلكون من الكفاءة أكثر من قادة حماس، وكذلك إن إغتيال الرجل العسكري الأول في حزب الله بعد السيد حسن نصرالله الأمين عالم للحزب في المربع الأمني للحزب في بيروت، يفند الادعاء بأن الحزب هو الذي سهل اغتيال السيد صالح العاروري.
إن حماس هي التجسيد الحقيقي لأفضل وأخير ما هو موجود في هذه الأمة المسلمة التي تخذل أبناءها، وتظلم شعوبها، وإن ترديد هذه الاشاعات جزء من الحرب الدائرة، فمن لديه الأفضل لحماس ليقدمها له، وعند إمتناعها نوجه لها اللوم كلنا معاً.
