بحسب التطورات في حيي الأشرفية والشيخ مقصود ذوي الغالبية الكوردية في مدينة حلب، يتبيّن أن الفجوة الفكرية والسياسية بين قوات سوريا الديمقراطية وهيئة تحرير الشام لاتزال كبيرة، ومن الصعب تقليصها أو توحيد الجهود بينهما. فكيف يمكن الحديث عن تسليمٍ كامل لمنطقة شرق الفرات عبر الحوار، في وقتٍ ترفض فيه قوات سوريا الديمقراطية تسليم هذين الحيين إلى الحكومة المؤقتة التابعة لهيئة تحرير الشام؟.
بعدما أعلنت هيئة تحرير الشام عن نفسها كـ"حكومة انتقالية" بديلة عن نظام البعث والأسد، بدأت تتصرف كسلطة مطلقة ترى أنها تمثل الشرعية الوحيدة في سوريا، وأن على باقي القوى والمكونات الخضوع لها دون نقاش أو تفاوض.
لكن من الصعب أن تستقر سلطة جديدة في سوريا على غرار نظام البعث السابق وتستمر طويلاً، فمنذ الثامن من كانون الأول 2024 وحتى اليوم، شهدت مناطق سيطرة سلطة الهيئة العديد من الانتهاكات بحق مكونات المجتمع السوري، كما حصل في الساحل ضد العلويين الذين لا تزال معاناتهم مستمرة، وكذلك ضد الدروز في ريف دمشق والسويداء، حيث لم يحصلوا على أي ضمانات أو أمان.
أما فيما يخص القضية الكوردية، فحتى وإن لم تستخدم هيئة تحرير الشام القوة المفرطة ضد الكورد في شمال وشرق سوريا، إلا أنها ماتزال تعتبرهم خطراً سياسياً، وتحاول تقييد نفوذهم، وترفض الاعتراف بقوات سوريا الديمقراطية أو الإدارة الذاتية كشريكين حقيقيين، بل تريد منهم فقط الانضمام إلى سلطتها دون أي دور فعلي.
ترى هيئة تحرير الشام ومناصروها أن اتفاق 10 آذار 2025 الموقَّع بين رئيس الحكومة الانتقالية السورية أحمد الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم كوباني ليس أكثر من خطوة شكلية، ولا يعكس قبولاً بمطالب الشعب الكوردي أو رؤيتهم لمستقبل سوريا، و هم يعتقدون أن الشعب السوري يجب أن يكون تحت سيطرتهم وحدهم.
إذا لم تغيّر هيئة تحرير الشام عقليتها، ولم تعترف بالتعددية والشراكة الحقيقية في سوريا، فلن تتمكّن من الاستمرار في الحكم، أو سيبقى الوضع متوتراً وغير مستقر، وستظل التهدئة والسلام بعيدي المنال. فحتى وإن كانت سوريا اليوم منقسمة فعلياً على الأرض، إلا أنه في حال شاركت جميع القوى والمكونات في بناء السلطة والدولة، يمكن أن تبقى سوريا موحدة بنظامٍ لا مركزي أو فدرالي.
أما إذا اختارت هيئة تحرير الشام طريق الحرب والعمليات العسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، كما فعلت في السويداء، فإنها ستدخل مغامرة خطيرة قد تؤدي إلى نهايتها، حتى لو تلقت دعماً خارجياً.
من الصعب جداً أن تتنازل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية عمّا حقّقته بدماء عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، أو أن تسلّم مكاسبها لسلطة هيئة تحرير الشام، فهي تريد أن تكون شريكاً حقيقياً في بناء سوريا الجديدة، وأن تستلم المزيد.
حتى الآن، لم تُطرح بشكل رسمي قضية الشعب الكوردي في كوردستان سوريا وحقوقه ضمن المباحثات بين قوات سوريا الديمقراطية وسلطة هيئة تحرير الشام في دمشق، إذ تقتصر النقاشات على كيفية دمج قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في السلطة القائمة بحكم الأمر الواقع.
كما أن الحكومة الانتقالية السورية لا تبدو قريبة من الاعتراف بوجود الشعب الكوردي كقومية أصيلة في كوردستان سوريا، إذ مازال خطابها محصوراً بمفاهيم مثل "الجمهورية العربية السورية" و"الجيش العربي السوري"، وكأن كل ما في سوريا عربي فقط.
هذا الموقف الذي يعكس ذهنية أحادية، لا يمكن أن يصمد أمام المشروع الإسرائيلي في المنطقة. فرؤية هيئة تحرير الشام لم تتقاطع بعد مع مصالح إسرائيل، كما أن الهيئة لاتزال خاضعة للوصاية التركية، في حين أن إسرائيل لا تسمح بقيام أي سلطة حقيقية داخل سوريا أو على حدودها يمكن أن تهدد مصالحها.
بدلاً من الحوار الداخلي وقبول الشراكة الحقيقية، تنشغل هيئة تحرير الشام بمواجهة خصومها السوريين، بينما تستفيد بعض المكونات من المشروع الإسرائيلي بشكل مباشر أو غير مباشر، كما هو حال الدروز في السويداء والعلويين في الساحل السوري.
أما الأكثر توازناً حتى الآن فهم قوات سوريا الديمقراطية والحركة الكوردية في كوردستان سوريا، إذ يسعون إلى بناء شراكة حقيقية في سوريا الجديدة، ولم يقطعوا شعرة معاوية بعد، لكنهم أيضاً لن يسلّموا شيئاً مما كسبوه في السياسة أو في الميدان.
