فجر الخميس، الخامس والعشرين من حزيران عام 2015، في تمام الساعة الرابعة وأربعين دقيقة، استفقتُ وزوجتي مذعورين على وقع إطلاق نار كثيف. في البداية، حاولت طمأنتها قائلاً إن ما نسمعه قد يكون احتفالاً بتحرير بلدة "صرين" الواقعة جنوب كوباني بنحو خمسة وثلاثين إلى أربعين كيلومتراً من قبضة تنظيم داعش، لكن صوت الرصاص المتواصل وصدى الانفجارات في الأرجاء بدّد كل شك بأنّه رصاص الاحتفال.
عند الخامسة صباحاً، دوى انفجار ضخم. في تلك اللحظة، تيقّنت أن ما يحدث يتجاوز مجرد اشتباك عابر. خرجت من غرفة النوم واتصلتُ ببعض المسؤولين، فأبلغوني بأن مجموعة مسلّحة تسلّلت إلى المدينة وبدأت تنفيذ هجوم على المدنيين، يدخلون البيوت ويُطلقون النار بشكل عشوائي. تبيّن لاحقاً أن سيارة مفخخة انفجرت عند المعبر الحدودي بين كوباني وشمال كوردستان وتركيا، لتشكّل نقطة البداية لنيّة عملية اقتحام دموية بغية السيطرة على كوباني.
كان ابني لم يتجاوز الخامسة من عمره حينها، استيقظ يصرخ من شدّة الخوف، باكياً ومرتجفاً. احتضنته أنا وزوجتي، ونحن في حالة الصدمة والانشغال بتتبّع الأخبار وإجراء الاتصالات.
مع بزوغ الشمس، بدأ صوت الاشتباكات يعلو من مختلف أنحاء المدينة. تنوّعت الأسلحة بين رشاشات ثقيلة، قذائف، وانفجارات متتالية. مع مرور الوقت عرفنا أنّ المدينة تتعرض لهجوم منظّم من عناصر تنظيم داعش، الذين دخلوا المدينة متنكّرين بشكل غادر، بعد أن نفّذوا مجزرة في قرية برخباتان جنوب كوباني.
عند السابعة صباحاً، طُرق باب منزلنا، وفي نفس الوقت كان يتصل بالموبايل صديقي "مصطفى بالي" بعنف وهو يصرخ: "افتح بسرعة!"، فتحتُ الباب لأجده مع زوجته، وأطفاله، وفتاة مصابة، وستة أطفال معها. أدخلناهم بسرعة، وكانت الفتاة تُدعى "زوزان أحمد شيخي"، مصابة بطلق ناري في ساقها. أما الأطفال، فكانت أعينهم غارقة في الدموع، وجوههم شاحبة من الخوف.
أطعمتهم زوجتي بما توفّر لدينا، فيما كنتُ أحاول التواصل مع فرق الإسعاف لإنقاذ زوزان، التي أبلغتني بأنها غير قادرة على دخول الحي، بسبب القنص العشوائي والاشتباكات الكثيفة في الشوارع.
في تلك اللحظات، لم أعد أفكّر بوظيفتي كصحفي وإعلامي. قصة عائلة زوزان والأطفال هزّتني من الأعماق، تحوّلتُ مع من كان معي إلى مدافعين عن المنزل نسعى لحماية الأطفال والنساء، بعد استضافة أقارب لجأوا إلينا من أحياء أخرى أكثر خطورة.
روت لنا زوزان، وهي تقاوم ألم الجرح والصدمة، أن المسلحين اقتحموا منزل عائلتها في حي "مِكتلة" شرق كوباني، وأعدموا والديها وشقيقها وزوجة شقيقها أمام أعينها والأطفال، ثم أطلقوا عليها النار. رغم إصابتها، تمكّنت من الهرب مصطحبةً معها أطفال شقيقها الستة، بينما بقيت الطفلة السابعة في المنزل بسبب عدم قدرة زوزان الجريحة على حملها.
عائلة زوزان تنحدر من قرية گرك جنوب كوباني، اسم والدها أحمد إبراهيم شيخي، والدتها صبيحة عيسى علي، أخوها محمد أحمد شيخي، وزوجة أخيها فريدة إبراهيم شيخي، والأطفال السبعة هم: سلافا، أحمد، نسرين، راما، محمود، گوله، وأليندا الصغيرة التي بقيت في سريرها خلفهم في البيت، ومنذ ذلك الوقت يقيمون في مدينة سروج في شمال كوردستان على حدود كوباني.
في فترة ما بعد الظهر، تمكّن أحد أقاربها من الوصول إلينا، بعد أن فتحت قوات الأسايش ومقاتلو وحدات حماية الشعب ممراً إسعافياً نحو المشفى. ساعدنا زوزان والأطفال على ركوبهم في السيارة، لكنني لاحظت أن زوزان حافية القدمين، وقد تغطّت قدماها بالدم. أسرعت إلى الداخل، وأحضرت لها حذاء زوجتي، وألبسته لها بيدي. نظرت إليّ، وعيناها تفيضان بالدموع، وقالت: "لن أنسى هذا الموقف ما حييت".
مرّت ساعات طويلة ونحن محاصرون في منزلنا. مع حلول مساء الخميس، بدأت تتضح صورة المجزرة: عناصر داعش دخلوا إلى عدة حارات في المدينة، وشرعوا في تنفيذ هجوم دموي استهدف المدنيين. أُجبرنا على إطفاء الأنوار والبقاء صامتين، نراقب من فوق سطح المنزل تحركات المسلحين، فقد يأتون لذبحنا أيضاً.
صباح الجمعة، السادس والعشرين من حزيران، كانت المدينة شبه فارغة. الأغلبية خرجت إلى خارج المدينة، ومنهم من حُبس داخل بيوته، غير قادر على دفن جثث الشهداء الذين سقطوا منذ اليوم الأول. بقيت الجثث ممدّدة في الشوارع، تفترش الأرض، لثلاثة أيام، حتى تحلّل عددٌ منهم. كثيرون لم يُعرفوا حتى اليوم.
في منزلنا، بدأنا نشعر بالحصار الفعلي، الطعام والخبز نفد، ولم يبقَ سوى الرز والبرغل، وخزان المياه شارف على النهاية. اضطررت إلى فتح صنبور خزان الحمام من أسفله لاستخدام آخر قطرة من الماء غير الصالحة للشرب.
ليلتها، كما في الليلة السابقة، صعدتُ إلى السطح، حيث لا ضوء، لا صوت حياة، فقط أصوات البنادق ودوي القذائف. تحوّل الظلام إلى ساتر الحماية، صديقنا الوحيد في وجه الخوف ورعب الموت.
صباح السبت، السابع والعشرين من حزيران، بدا مختلفاً. خفّت أصوات الرصاص، ومع الساعة العاشرة سُمع انفجار عنيف. خرجتُ إلى السطح لأرى مدرسة ثانوية البنين وقد تعرّضت لتفجير كبير، نصف المبنى انهار، ودخان كثيف تصاعد من المكان. كانت هذه المدرسة قد تحوّلت إلى موقع تمركز للمهاجمين.
وصلنا الخبر بأنه تم القضاء على المجموعة المسلحة بالكامل. عاد بعض من تمكّن من الهرب ليتفقد المدينة. كلّ من دخل مجدداً بحث عن جثّة، عن قريب، عن أثر. لم تُعرف هويات عدد من الشهداء الذين دُفنوا دون مراسم لائقة. في رأس عدد من القبور، كُتب ببساطة: "قبر مجهول لأحد شهداء مجزرة 25 حزيران عام 2015".
في ثلاثة أيام، فقدت كوباني حوالي ثلاثمائة شهيد، بينهم أطفال، نساء حوامل، شيوخ، عناصر من الأسايش ومقاتلي وحدات حماية الشعب. وجُرح مثلهم حوالي ثلاثمائة آخرون، كانت المجزرة واحدة من أكثر العمليات وحشية التي نفّذها تنظيم داعش في كوباني وسوريا.
كل شهيد كانت له قصة، لكن زوزان وأطفال شقيقها السبعة سيظلون رمزاً خاصاً في الذاكرة. بعد سنوات عديدة، تواصلتُ بها مجدداً. الأطفال كبروا، لكنها ماتزال تحمل الألم. لقد فقدت والديها، شقيقها وزوجته، لكنها أنقذت ستة أرواح رغم إصابتها، والسابعة القدر أنقذها، وكأنها قُدّرت لتكون شعلة حياة وسط الموت والدمار.
كأنّ كوباني قد كُتب عليها أن تعيش الألم من جديد، كلما حاولت النهوض. من الحصار إلى النزوح، من الحرب إلى الدمار، و بعد التحرير في 26 كانون الثاني 2015 ومع بداية العودة أتت المجزرة، ثم الهجرة الكبيرة إلى خارج الوطن، وكانت الضربة القاضية الأكبر للنسيج الاجتماعي في كوباني.
مجزرة الخامس والعشرين من حزيران في كوباني هي الجرح الأعمق في تاريخ الشعب الكوردي في كوردستان سوريا، لا يجب أن تُنسى، ولا أن تُهمّش. إنصاف الضحايا لا يكون فقط بالذكرى، بل باعتراف رسمي، بتوثيق دائم، بتعويض عادل، وببناء متحف ونصب تذكاري يُخلّد أرواحهم الطاهرة في قلب المدينة.
كوباني كانت وستظل رمزاً للمقاومة والكرامة، ومأساة الخامس والعشرين من حزيران ليست مجرّد ذكرى، بل تحذيراً صارخاً من أن تكرار المجازر لا يتطلب سوى عدم صمت العالم مرّة أخرى عن الظلم المستمر بحق الشعب الكوردي.
في الذكرى السنوية العاشرة لمجزرة كوباني، لا نكتب فقط كي نُوثّق أو نستذكر فقط، بل لنتذكّر أن من حق زوزان والأطفال اليتامى السبعة أن تُروى قصتهم لكي لا تتكرر، ومن حق كل طفل نجا أن يعيش حياة كريمة، ومن واجب الإنسانية جمعاء أن تضمن ألا تتكرر مجازر كهذه، لا في كوباني، ولا في أي مكان آخر.
