شهدت الساحة السورية مع بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تحولات كبيرة، فتحت المجال أمام مختلف المكونات الاجتماعية للمطالبة بحقوقها وإعادة طرح قضاياها التاريخية، وفي هذا السياق، برز المؤتمر القومي الكوردي في سوريا بكونه محطة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية الكوردية، ومحاولة جادة لتوحيد الرؤية السياسية للكورد في سوريا ضمن إطار وطني جامع.
شكّل هذا المؤتمر (الكونفراس)، من الناحية التاريخية، لحظة فارقة، إذ أتى بعد عقود من التهميش الممنهج الذي عانى منه الكورد في سوريا، عبر سياسات الإنكار والصهر القسري التي انتهجتها الأنظمة المتعاقبة، لاسيما في ظل حكم حزب البعث. ولطالما افتقرت الحركة الكوردية إلى وحدة حقيقية بسبب الانقسامات الحزبية وضعف التنظيم، فجاء الكونفراس كخطوة تأسيسية تهدف إلى جمع أطيافها المختلفة تحت مظلة مشروع سياسي موحد.
من هذا المنطلق يمكن القول إن المؤتمر يمثل حدثاً ذا قيمة تاريخية عالية، حيث أقر بشكل علني بوجود الشعب الكوردي كجزء أصيل من النسيج الوطني السوري، وطالب بالاعتراف الدستوري به وبحقوقه القومية، مما اعتبر لأول مرة تأسيساً لخطاب كوردي موحد على مستوى سوريا.
أما من الناحية السياسية، فقد كان للكونفراس دور مهم جداً في صياغة رؤية الكورد لمستقبل سوريا، فانطلاقاً من مخرجاته، أكدت الحركة الكوردية على التزامها بوحدة الأراضي السورية، لكنها طالبت في الوقت نفسه ببناء دولة ديمقراطية تعددية تضمن حقوق جميع مكوناتها.
لقد أرسى الكونفراس أساساً جديداً للتعاطي مع القضية الكوردية، بعيداً عن الشعارات التقليدية والانقسامات الحزبية الضيقة، وسعى إلى تقديم الكورد طرفاً مسؤولاً وجاهزاً للمشاركة في صياغة ملامح المرحلة الانتقالية في سوريا. وبذلك، نقل الكونفراس النضال الكوردي من مرحلة الدفاع الذاتي والاحتجاج المحدود إلى مستوى العمل السياسي الوطني الفاعل.
إلا أن الطريق لم يكن معبداً أمام هذا الكونفراس؛ فقد واجه تحديات كبيرة، أولها الضغوط الإقليمية من دول مثل تركيا التي رأت في أي تنسيق كوردي تهديداً لأمنها القومي، كما أن جزءاً كبيراً من القوى السورية المعارضة ظل متردداً أو رافضاً لمطالب الكورد، مما صعّب من مهمة بناء تحالفات سياسية قوية.
رغم هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن هذا الكونفراس أسّس لمرحلة جديدة في التاريخ السياسي للكورد في سوريا، فقد أعاد الاعتبار لقضيتهم في إطار النقاش الوطني العام، وساهم في بلورة خطاب سياسي عقلاني متزن، يسعى إلى تحقيق الحقوق القومية المشروعة ضمن وحدة سوريا، بعيداً عن الخطابات الانفصالية أو التهميشية.
إن القيمة الكبرى لهذا الكونفراس لا تكمن فقط في مخرجاته المباشرة، بل في كونه عبّر عن نضج سياسي متزايد لدى الكورد في سوريا، واستعدادهم للانتقال من موقع الضحية إلى موقع الشريك الوطني الكامل، بما يحمله ذلك من مسؤوليات وتحديات، ولهذا، يبقى الكونفراس الكوردي علامة بارزة في مسيرة الكورد في سوريا، ورمزاً لإصرارهم على انتزاع حقوقهم بوسائل سلمية وديمقراطية.
